أخبار عاجلة

ذراعُ أبي

رفيدة عبد الحفيظ

 

إنني مصابةٌ بعشقٍ معهُ منذُ زمن ؛ حياةٌ دون ذلكَ الرجل غير ممكنة ، ولكنها بغيرهِ مستحيلةٌ أيضاً ..
رجلٌ و أنا في معِيّته مطمئنة ، ولستُ بحاجةٍ لضماناتٍ أكثر ..
واثقةٌ حدَّ العمى ، بأنه لن يكون سبباً للدمعِ يوماً ما ، أبداً أبداً ..
رجلٌ كأبي ، ضربٌ من ضروب المستحيل ..
هو وحده الذي ألقاه واقفاً بثبات ، كلما دارت بيَ الأرضُ بقسوة..
رجلٌ أخذ قلبي من الدنيا المحيطة ،إلى دنيا أخرى تفوقُ تلكَ التي حلمتُ بها ..
عشتُ معه عقدينِ من عمري و لم يكسر لي خاطر ، و لا أحسبني سأعيشُ عمراً بخاطرٍ مجبورٍ على الدوام إلا معه ..
لأنني فعلاً لستُ أدري ماذا سيفعل بي رجلٌ سيزفني القدرُ إليه ..
لكنني لا أظنُّ أنّ ثمَّةَ يدٍ ستلوي لي ذراع ، و سيف أبي جاهزٌ مترصّدٌ حريصٌ على بترِها ..
إنني على يقين بأنني لو خُذِلت ، لن يطول جرحي كثيراً ..
لن أعيش عمري باكيةً على مرارةِ حظي ..
ستجدني في نهاية الأمر ، لا أغرسُ وجهي في وسائد الريشِ لأبكي ، فَتُمتَصُّ ملوحةَ الدمع ..
ستجدني حُذوَ ضلعِ أبي ، أطلب أن يمدَّ لي وسادته ..
وسادةٌ من نوعٍ آخرَ غير التي تشترون ..
نوعٌ قويّ “ذراعُ أبي”..
ثم سيشرق صباحَ اليومِ التالي ..
لأتأخر في صحوتي ، فيظلّ أبي ينفخ في وجهي بلطف ، ناثراً غرَّتي على وجهي ، ليقول : صباحُ الخيرِ يا حُلوتي !
فأفيق ..
و كأنه أبداً لم يُفطرَ لي قلب ..
أُعِدُّ له فنجان القهوةِ التركيةِ المُرَّةِ في عصريّةِ كلِّ يوم ، كما كنتُ أفعل سابقاً ، و أنتظر منه الرشفةَ الأولى ، حتى يقول بدوره : الــلـــه !
فيسألني كما عودني ، أيُّ يدٍ أعدت هذا الفنجان ؟ .. ليقبّلها ..
سيناديني في الليالي الشتوية ، فور خروجي من الحمّام ، حاملاً بيدِه المجفف الكهربائي ، ليجففَ لي شعري بعدَ كلِّ غسلة ، حتى لا يصيبني البرد ..
سيتنازل لي عن جهازِ التحكمِ مع وقتِ أخبار التاسعة ، حتى أشاهد مسلسلي المدبلج ..
سيسدّ الفجوةَ كلها ..
و كأنني قطعاً لم أتعرّض للجفوةِ من رجل ..
سَتبرَأ فيَّ كلَّ الجروح ، صدقني!
مع كلِّ مرَّةٍ يطبعُ فيها قبلَته على الجبين ..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *