من طعنة وجع أقتبستُ الأمل شعر / فاتن مغلس

أنا هنا لم أشعر يومًا بإنني قطعة أمان،
يشد الفقد عضده بي،
و خلف أسوار البكاء،
أرتجف كما ترتجف الستائر عند عطسة هواء خفيفة..!
ها هو الصمت يتسلق حنجرتي،
يتزاحم الغبار من حولي..
يمدني بكبسولة اختناق،
باتت رئتاي أضيق من خصر ساعة رملية..!
آآآهٍ،
ما كل هذا الألم!
ضيّق أنا بلا درب أسير،
قدماي لم تعد تجرني إلى حيثُ كنت..
عيناي تشيعان الغيم في صحن السماء،
إنه يرتعش من طلقات عينيّ الجامدة..
و بين أسراب الحروب،
تجمهرت الكدمات في خاصرتي،
رأسي يطامن جثث المنازل،
أبوابها تصفع وجهي..
و ضوءها الأسود يشوه مشاعري..
مضطرب أنا..
أسير على أشواك رمادية تقيأتها الشوارع،
أصرخ من لهيب الوجع،
دمي يمشي متخفيًا كي لا يؤذيني بفزعهِ..
و لكنني تهالكت دفعة واحدة؛
ليبقى الحرمان بيتي و مصرعي..!
غيبوبة تحرشت بي،
فنمت بين أحضان الدمار،
و بعد منبه قنبلة… أفقت مذعورًا
أوصد الطريق عني أبوابه،
دخلتُ وجعي رويدًا و لحظة..
شيء ما يفتش في جُرحي
و كأن هناك نسيم رأف لحالي،
يحاول أن ينتشلني،
صرخت بكل ما أوتيت من تعب
سرقتُ نظرات من يميني و اليسار
ألهث… و الخوف يتصبب مني
أسمع صرير صوت فاتر
يلتهم أذنيّ:
“تعال”
حشد من الأفكار المتمردة تثقب رأسي:
“إلى أين؟”
تسربت الحياة إلى قدميّ،
و لاحت يدي لحقيبتي المغشية عليها من الغبار،
رائحتها اخترقت أضلاع الطريق..
فتألم لألمي و ألمها..!
سرت متذبذبًا:
في أن أبقى منتصبًا كشجرة عارية..
أو أدفنُ نفسي تحت أنقاض بيتنا الدافئ..!
مكثت كذلك..
انتظر نتائج المعارك داخلي..
وصلت إلى مضجع حقيبتي
فتشت أمعائها!
فوجدت القلم يحدق فيّ بكل حنين
كأنه يقول لي:
اغرسني بين أناملك،
دعني أرسو في مرفأ وطنٍ لا يشعر بالبرد،
أرجوك ارفعني إليك
فأنا بحاجة إليك لأكتبك،
تعرجت بنا الأقدار
سحقتنا الحروب الظالمة،
أكلنا الجوع..
صرنا صورة يدخلنا البكاء
من ثقب إطار..!
باعنا البؤس في أسواق الأسى
و أصبحنا عبيد خلف قضبان المستنقعات البائسة..
فشعرت لوهلة بأن الدماء نزفت من أفكاري،
تحررت من قيود الموت،
و حينما احتضنت قلمي
تساقطت كل الكلمات بين يديّ
تحركت مشاعري
و أمطرت ذكريات حبلى بالأمل
فتسابقت الحروف
لترتص على رقعة السطور في دفتري
فكتبتُ:
رغم إن كل الدروب تهدي إلى الحزن، و أن هذه الأيام تتوعدني بأنها ستكون أقسى من سالفتها..
إلا أنني سأكون قذيفة أمل كبيرة فتاكة، أقاتل ما سيعلق بي،
فإما الموت مبتسمًا و إما النصر
فالطريق لا يجمع بين شيئين متضادين؛
إما أن أفترق عن الوهن
أو يقتل أحدنا الآخر..
لن أهرب،
فالهروب لم يكن يومًا نجاة..
الحياة تفتح لي منفذًا واحدًا و لن يتكرر
فمن الألم يرتوي كأس قوتي
سأتزود بالنسيان على ما أصابني
و لن أكون بعد اليوم مكانًا صالحًا للضعف،
سأشحذ قلمي…
و اجعله سيفًا متعطشًا لسفك كل ما يؤذيني..
كتبت طويلًا
عباراتي تلك سأعلقها قلادة على صدري
اشتدت أوتار الريح خارجًا،
و دندن المطر فوقي
فشعرت بأن هناك شيء ما يكبر داخلي
نعم..
إنها بذور الأمل؛
ها هي قد أينعت فيّ..
نهضت..
و فتحت ذراعي للمطر؛
كي يغسلني من أوساخ الألم و الوجع
فأنا الحاضر الغائب
تجرعت نور السماء
فتجسد روحي
فلم أعد علبة للحزن
بل أرض شاسعة…
لا تزرع سوى الأمل..
