تامر فتحي فى “سقوط.. سيرة رائحة”.. كتابة الشعر كبناء روائي

سمانيوز / آداب وثقافة
للحكاية سحر خاص، مهما تمردت النصوص الأدبية على التركيبة البسيطة “بداية وحبكة ونهاية”، يظل لإيقاع الحكاية موسيقاه الخاصة، والتي تتضاعف لذتها إذا امتزجت بالشعر.
وفي ديوان “سقوط.. سيرة رائحة” للشاعر تامر فتحى مبروك الصادر حديثاً عن دار المرايا بالقاهرة، تمتزج موسيقى الشعر بإيقاع الحكاية، لتقدم ملحمة شعرية معاصرة.
عندها استطاع أن يستمع لصوت تكسر عظامه قبل حدوثه.
صوت قاس/ أرجف له نخاعه/ وهو يشاهد النافذة التي راحت تبتعد”.
وتامر فتحي هو شاعر وصحفي ومترجم، من مواليد الإسكندرية 1980، صدر له من قبل ديوان واحد، هو “بالأمس فقدت زرا، قصة الملابس” عام 2005، وعدة ترجمات منها “الحالة الغريبة لبينجامين بوطون” لسكوت فيتزجرالد، ورواية “القارئ” لبرنارد شيلنك، واتجه مؤخراً لتدريس اللغة العربية في جامعة ساينس بو بفرنسا حيث يعيش الآن.
مباشرة يقدم لنا تامر الحدث في الصفحات الأولى من الديوان الذي تقع أحداثه في ثوان معدودة، لكن زمنه الشعري يمتد لديوان كامل، يستعيد فيه الشخص الذي يسقط روائح البشر والأماكن وذكرياته التي تمرق في لحظة ممتدة.
يقول تامر لـ “الشرق”: “لطالما شغلتني فكرة استعادة الروح الأولى للشعر، فقبل أن يكون الشعر شعراً، كان ملحمياً يفتح عوالم، وليس مجرد لقطة أو حكمة. كنت مبهوراً بهذا البناء، ولم أشعر أبداً أنه غريب عن الشعر، كنت أعي وأنا أكتب أنى أصنع عالماً شبيهاً بالعالم الروائي، فالشعر في بدايته كان يجمع الموسيقى والسرد، والحكمة، هذا ما نجده في الملاحم العظيمة مثل الأوديسة والإلياذة لهوميروس، وجلجامش، وفي الأدب الشعبي أيضاً السيرة الهلالية، وفي مصر القديمة ملحمة سنوحي، القماشة الأولى التي انطلق منها الإبداع الإنساني وكلها كانت مكتوبة شعراً”.
يقدم الديوان حكاية متماسكة، وقصائد متصلة في خيط سرد يربط لحظة سقوط الشخص، بروائح الأم والأخوة والحياة، ويقول تامر: “طوال الوقت لم أحب فكرة التعامل مع دواوين الشعر باعتبارها وحدات منفصلة، يمكن قراءتها من أى اتجاه؛ هذه القصيدة صورة ومجاز، تلك لقطة أو حكمة، وصورة مفتوحة أو مغلقة، إنما أسرتني فكرة التعامل مع الشعر مثلما نتعامل مع العالم الروائي”.
من يقتل اللغة؟
تحتل اللغة في عالم تامر فتحي الشعري مكانة خاصة، تضعها في مكان بعيد عن سائر قصائد النثر والشعر الحر المعاصرة، فهو يولى اهتماماً خاصاً للغته التي تستمد قوتها من علاقة وثيقة بالتراث، ربما بسبب اتجاهه لدراسة اللغة العربية بكلية دار العلوم.
ويضيف فتحي: “بعد سنوات من كتابة الشعر والعمل كمترجم اتجهت لدراسة اللغة العربية بشكل موسع في كلية دار العلوم، وهناك توسعت علاقتى باللغة، واكتشفت أن كل ما نعيشه من اشكاليات متعلقة باللغة لا علاقة له بها، ولكن بالقواعد وآراء اللغويين التي قتلتها”.
ويتابع: “لا يفهم اللغويون الفعل المضارع إلا بصيغة الحالي، بينما لفظة مضارع مليئة بالمعنى، فهو المشابه الذي لا يضارعه شئ، أى الذي لا يشبهه شيء، هو الفعل المشابه للاسم لأنه متحرك، ويأخذ الضم والفتح والسكون، مثل الاسم الذي يأخذ الضم والفتح والكسر، يمكنك أن تضع مكانه اسماً، في حين أن ذلك غير ممكن مع أفعال الماضى والأمر، المضارع يشبه في كثير من أحواله الجملة الاسمية التي تعد خصيصة من خصائص المميزة للغة العربية”.
وانطلاقاً من هذه الاكتشافات، وجد تامر فتحي في قواعد اللغة ساحة جديدة لفهم الإعراب بالإحساس وليس بالقواعد.
وفي الشعر ظهر هذا الولع باللغة أيضاً، يقول: “هي الحالة التي فرضت تفاصيلها، واللغة التي ستكتب بها، لم أخف أن يقال إن اللغة جامدة، أو متفاصحة، فأنا لا أحب هوس الشعراء باللغة، أو الكلام عن اللغة باعتبارها غاية. كنت ولا أزال أعتقد أنها وسيلة لوصول المعنى. إدراكي للغة لا يعنى أنى أمجدها، فأي تمجيد للغة ليس في صالحها، ولا صالح من يكتبها”.
في الديوان كما يقودنا العنوان يقدم الشاعر أبطاله من خلال الروائح، فتلك “رائحة الأم الحنون/ رحم الروائح من حولي/ وسعت أمي وأبي وإخوتي/ وزوجي… لي عبق قوي كعرق الولادة / لا يقدر عليه الرجال….”.
وأخرى “نفاذة الحضور/ سريعة الأثر/ تهب كانبعاث اللهب/ وكلكمة خاطفة”، يقول :” كانت قصة السقوط هى المتن الأساسى، ثم تضافرت معها سيرة الروائح كمتن مجاور ومكمل، فبالنسبة لي الروائح مهمة، وأستطيع من خلالها فهم الناس والأماكن، أنا مأثور بفكرة الرائحة، وتأخذني لذكريات لأنشغل كثيراً بتفاصيلها التي ربما أنساها أحياناً، لكن أعيشها كحالة قوية، دائما الروائح عندي مرتبطة بمشاعر معينة، تذكرني رائحة الكافور بالموت، والمسك الأبيض بخفقان القلب الشديد، الكتب القديمة لها رائحة، حتى أنى أذكر رائحة ثلاثية نجيب محفوظ”.
وفي الديوان يستعيد الشخص الذي نبدأ معه القصة وهو يقفز من النافذة، ذاكرة الأنف، يدرك مع كل رائحة تفاصيل أحاسيسه بالعالم، والأشخاص، بدون تفاصيل، وصولاً إلى رائحة الشخص نفسه، الذي يستعد للارتطام بالأرض، التي تأتى معها لحظة التكشف، ويتحول فعل السقوط ذاته إلى بوابة لحياة أخرى.
,يصف تامر فتحي نصه باعتباره “نصاً فوق واقعي، حالة أشبه بالحلم، في الزمن الواقعي يقع الحدث في بضع ثوان، بينما في الزمن الشعرى هي حياة كاملة”، وهي تجربة كتبها في زمن طويل أيضاً خلال الفترة بين 2006 إلى 2020.
وأفاد فتحي: “كتبت الكثير من المسودات إلى درجة شعرت معها باستحالة أن أكتب هذا العالم، ظللت لفترة طويلة أشعر أنى داخل حالة السقوط، وهذا دفعني أن أنتصر للحياة أكثر من أن أعيش مجازاً لذلك توقفت لفترة طويلة نسبياً”.
صيام عن الكتابة
جاء توقف تامر فتحي عن الكتابة بعد صدور ديوانه الذي لاقى حفاوة نقدية كبيرة “بالأمس فقدت زرا، قصة الملابس”، وهو توقف ينفيه تامر قائلاً: “هو توقف عن النشر، وليس الكتابة، فبعد ديوانى الأول أصابنى الرعب من حالة الاحتفاء، وفضلت التعامل معها بحذر”.
وأضاف: “كان من الممكن أن أصدق هذا النجاح وليد الظرف واللحظة، فأبدأ في التعامل مع العالم كشاعر، وأنا لا أحب أن أصدق أننى شاعر لأن هذه بداية الموت بالنسبة لي، أنا لا أحب الشعراء الذين تطغى ذواتهم الشعرية على الجوانب الإنسانية والعادية بداخلهم”.
ويوضح فتحي: “من يتعامل كشاعر يرى نفسه في مكان كاتب الحالة وليس من يعيشها، أنا أريد أن أرى الحياة بمنظور العادي، ففقدان العادية لا يعوض، لأنك إذا لم تكن عادياً لن تكون طبيعياً. وجدت أنى أسأل نفسي أسئلة لم تكن موجودة في البداية، وجود هذا الاحتفاء كان يخلق هذا الحاجز وينتقص من متعتي وأنا أكتب، وهذا ما دفعني إلى الصيام ولم أتوقف عن الكتابة، لكن النشر أجلته لأنى بخروجي عن صورة الشاعر كسبت حريتي وساعدني في الاستمتاع بالكتابة”.
لم يخضع تامر فتحي للخوف من أن ينساه القارئ، يقول: “كانوا يقولون لي ستنساك الناس، فأرد هذا الديوان خرج وعرفته الناس وعرفتني، وإذا استطعت كتابة آخر جيد ستعرفه وتعرفني”.
ويرجع تامر فتحي أزمة قصيدة النثر أيضاً إلى هذه الحالة من تضخم الذات الشعرية، فيقول: “هي أزمة التكلس على شكل واحد، لدرجة رفض كافة الأشكال دونه، وشعور الجميع أنهم في جبهة وأن القصائد الأخرى في جبهة مضادة، وربما أيضاً ذلك بسبب تعنت الأجيال الأقدم مع قصيدة النثر، وأن عوالمها تتناسب مع اليومي والعادي إلى درجة اتهمت معها بالابتذال، الحقيقة أن هناك أزمة في العالم كله، إذ يتساءل الجميع ماذا يقدم الشعر المعاصر، وهل يقدم جماليات جديدة أم أصبح الأمر في طريق للابتذال؟!.”
ويستطيع تامر فتحي أن يتذوق الشعر في مقاطع الروايات المكتوبة كأنها قصائد، فالشعر غير مرتبط عنده بالتقطيع الشطرى، أو تلاعب بالموسيقى والإلقاء، “الشعر أياً كان شكله واضح يستشعره القلب مباشرة”، بل يتهم محاولة الوقوف على ماهية الشعر، بأنها “حق يراد به باطل”.
ويقول: “ذلك لأنها محاولة لإخضاع التعريف لما ينتمي إليه الشخص الذي يقوله، إن كان مولعاً مثلاً بالموسيقي والبناء الشعرى، فسيكون الشعر بالنسبة إليه أجراس، أو مولعاً بالتعبيرية. هذه الحالة من الهوس في رفض الآخر، تخلق تجربة منغلقة لا ترى تجارب الآخرين، بالنسبة لي المعيار دائماً أن يكتب الشاعر وهو مستمتع بما يكتب، وأن يحول هذا الاستمتاع إلى منتج يستمتع به القارئ، ولو غاب هذا الاستمتاع تكون الكتابة مصطنعة وهذه الحالة تكون واضحة للقارئ أيضاً”.
