الحب في حضرة الموت

قصة قصيرة / بقلم / رهف الزير
إلى من جعلني أندم حقاً قبيل اتخاذي لقرارٍ كهذا.. إلى حبيبي صالح إلى الذي وعدته بالبقاء بجانبه حتى آخر رمقٍ مني، إلى الذي وعدته بأن أحافظ على حياتي قدر الإمكان، لأنه حقاً تعلق بي كطفلٍ، لا أعلم كيف أصبحت أم قاسية وقررت فجأة أن أهديك الفِطام، في حين كان الأطفال والشباب والرِضّع وكل كل الناس يلتهمون أمامك الحب بشراهة، كم كنت قاسية!
كيف لي أن أفطمك عن حبي قبل أن تشبع! و كيف طاوعني قلبي لأقدم لك صديقتي كوجبة جانبية لتقتات عليها وتسد جوع الفراغ على مائدة الفراق تلك!
لعلها الحرية من أجبرني على ذلك.
أرجوك سامحني ياصالحي، أعلم أن خبر وفاتي كان فاجعتك الأكبر في هذه الحياة، و أعلم جداً كم نزف حبر قلمك بسبب فراقي، وكم مرة شيَّعت جنازتي في أنباء جرائدك، و كيف دفنت جثتي في قلبك ورميت الأوراق حين يأست من وصف شعورك، أنا متفهمة لكل ما حدث معك لكن سأخبرك بالذي حصل…
في الثامنة و العشرون من شهر ديسمبر في العام العشرون من الألفية الثالثة، وصلك خبر وفاتي بجرعةٍ كيميائيةٍ أثناء معالجتي من سرطان الكبد، ولفرط فجعتك قمت باتهام الطبيب أنه السبب، وأن إهماله أودى بمصرعي، وأدخلت نفسك في دهاليز القضاة والمحاكم، كُدّت أن تصاب بالجنون، لم يعد همّك تحصيل حقي في البقاء من الطبيب، بل تطوّرت الأمور إلى أن أُصِبت بعقدة العدالة، لتقف اليوم أمام المحكمة يهابك الجميع، و بات لقبك بمحقق العدالة، وحاولت مراراً أن تأخذ لي حقي من الطبيب حمزة، لكنك عجزت عن إيجاد دليل ضده..
الحقيقة يا عزيزي أن الطبيب حمزة لا علاقة له بالذي حصل، و أعلم أنك استنتجت ذلك أثناء قرائتك منذ بداية الرسالة..
فهل يكتبون الأموات!
ما حصل ليلتها أنّني حين كنت مستلقية على سريري الأبيض، محاطة بأربعة جدران بيضاء، تساعدني ممرضة ترتدي بدلة بيضاء، الطبيب يرتدي قميص أبيض، و كل من حولي يرتدون الأبيض، و كأنهم يبشروننا بأن الموت قادم، كل شيء كان مرعب هناك عدا فكرة الحرية، وحدها من كانت تمدني بالأمل، فقررت يومها أن أجد طريقة مثالية للهروب، للهروب من العلاج، للهروب من الطبيب، للهروب من القيود كلها، فنسجت قصة خيالية عملت عليها حتى أصبحت واقعي الذي اكتبه الآن…
طلبت من صديقتي هبة التي أعلم مسبقاً أنها بعيدةً كلّ البعد عن الأدب و قراءة الكتب، أن تبتاع لي كتاب “تحضير القرين”، لكن العجيب في الأمر أنها أحضرته دون أدنى سؤال منها عن السبب، وأمضت الأيام وأنا أقرأ وأتعلم كيف أجلب قريني، وفي ليلة الثامن والعشرون من شهر ديسمبر، جاء موعد جرعتي الثالثة، ذهبت إلى المشفى بصحبة والدي
بخطىً مثقلة، وقلبٍ ثابت، وثقة عالية بأن كل ما سيجري سيكون على ما يرام، فقد استغرقت كتابة خطتي الكثير من الوقت والجهد والألم..
ما أصعب أن يدفع الإنسان حياته كثمنٍ مقابل الحرية!
دخلنا المشفى، تقابلت ووالدي مع الطبيب حمزة، الذي أبدى لي تحيته بشفقة!
شعرت يومها بقوّةٍ بُعِثت داخلي، كُدّت أن أصفعه صفعةً تجعلني حقّاً أزور طبيباً نفسيّاً..
لا زلت أذكر كلام أستاذ اللغة العربية: الإنسان يولد سليم ويبدأ المجتمع بربط عقده، حتى يصبح كجزّة صوفٍ معقدة، مصيرها طبيب نفسي يحاول فك عقدها وبالطبع سيفشل، لأن الذهاب إلى طبيب نفسي بحد عينه يُسمى جنوناً في ثقافة الشارع، و إما ستتحول تلك الجزّة إلى كرةٍ تعبث بها القطط..
لكنّني يومها استقمت، لن أشتت تركيزي وأضيع وقت تنفيذ خطتي..
ذهبت وإياه إلى إحدى غرف المستشفى، مررت بجانب مرآة فرأيت رأسي!
واحسرتاه!
ليتني سقطّت أرضاً حينها علّهم يشعرون بنا قليلاً ويحظرون أي شيء من الممكن أن يشعرنا بنقصنا..
حاولت مواساة نفسي حين أقنعتها بأن الرأس الفارغ من الشعر ممتلئ بأفكار جنونية، سأرى نتائجها اليوم أمام عيني..
أن تواسي نفسك يعني أنك لجأت لجميع البشر ولم يكونوا بشر، يا لسذاجة الشعور!
أتذكر مقطعاً من قصيدة الشاعر نزار قباني حين راح يرثي ولده توفيق ولم يحظَى بشيءٍ من المواساة من مجتمع الخيبة ذاك حيث قال:
كل الوجوه أمامي نحاس.. كل العيون أمامي حجر..تمنيت أن أحظى بمواساة الطبيب، أو والدي، أو أي أحد من المارة، لكنّهم كانوا يعتقدون أنّنا متعايشون مع واقعنا…
هكذا هم البشر إن تحملّت ظنوا أنك لا تشعر..
قاطع الطبيب حمزة سيناريو الشفقة الذي رحت انسجه في مخيلتي، وطلب مني أن أتمدد على السرير، وهنا استعدت رباطة جأشي، رسمت الخطة أمامي بالكامل و تمددت دون أدنى تعليق..
فإذ بتيار الكهرباء ينقطع، ويظهر صوتاً يشبه صوت الأنين، اجتمع الأطباء وجميع موظفي المستشفى عند قاطع الكهرباء يحاولون معرفة ما حصل، في حين تبدّل جسدي بجسد قرينتي التي ضحت لأجلي، وعندما اشتعلت الأنوار، دخل الطبيب فوجد الجرعة قد انتهت بالكامل ووجد فرح ميْتة، حاول بشتى الوسائل أن ينقذها، لكنّها ماتت…
ماتت فرح يا صالح، والطبيب حمزة كاد أن يقتل نفسه لشدة تأنيب الضمير والشعور بالذنب، لكن على الرغم من ذلك وقف أمامك صامداً حين اتهمته بأنه سبب فاجعتك، وفي وقتٍ لاحق حصل على برائته من المحكمة، أما أنا فقد شُفيتُ بنفسي، وها قد نبت شعري، وأدركت أن نصف العلاج يكمن في الابتعاد عن المجتمع، ما أصعب أن تكون نصف إعاقتك أنك تعيش في مستنقعٍ قذرٍ كمجتمعنا، تثير شفقتهم عليك لمجرد أنك فشلت في محاربة المرض، ولا يذكرون أي شيءٍ من مقاومتك له، هم فقط يجدونك مستسلماً له ولذلك تصبح محض شفقة بالنسبة لهم، أما عن موقف المرآة الذي حصل معي أثناء جرعتي الثالثة، فما زال يعشعش في دهاليز الذاكرة، لذا ها أنا أقف اليوم لأدير المركز الطبي الخاص بمرضى السرطان وبقوانين صارمة أولها عدم وضع أي مرآة في الممرات، وآخرها منع ارتداء أي ثوبٍ أبيض داخل المركز…
أما عني فلقد قصصت شعري لكيلا أشعرهم بالنقص…
هذه هي نهاية قصتي أما عن الرسالة التي أود إبلاغك إياها أنت وكل مريض…
أن حب البقاء والرغبة في الحرية هما ما جعلاني أبقى على قيد الحياة…
و أرجو منك أن تعيد عنونة روايتك فتمحو (الحب في حضرة الموت)…
لتكتب (الحب ينتصر على الموت)
حبيبتك:فرح…
