آداب و ثقافة

من القدس إلى موسكو.. كيف يكشف المال عن معادن البشر في أدب بولغاكوف

سمانيوز/ متابعات

تستعرض رواية “المعلم ومارغريتا” علاقة الإنسان المعقدة بالمال؛ حيث نجح ميخائيل بولغاكوف في جعل المادة اختبارا يكشف حقيقة معادن البشر وأخلاقهم عبر رمزية تاريخية ومعاصرة.

 

 

من منا يستطيع نسيان تلك المقولة الخالدة التي أطلقها “فولاند” حول سكان موسكو وكيف “أفسدتهم أزمة السكن”؟ لكن هذا التصريح يحمل في طياته أبعادا أعمق بكثير مما يبدو عليه؛ فقد أحبت البشرية المال عبر التاريخ، لكن ذلك لم يجلب لهم السعادة دائما.

 

وفي رواية ميخائيل بولغاكوف الشهيرة “المعلم ومارغريتا”، والتي يظهر فيها الشيطان المسمى فولاند بشكل غير متوقع في موسكو في ثلاثينيات القرن العشرين مع حاشيته غريبة الأطوار (الهر بهيموث العملاق، والمحتال ذو اللسان السليط كوروفييف، ومصاصة الدماء هيلا، والشيطان المظلم عزازيلو)، تبرز تلك العلاقة المتشابكة بين الناس والمادة كواحدة من الركائز الموضوعية الأساسية للعمل؛ فبين دفتي السرد الذي يربط بين أحداث “أورشليم” التاريخية وواقع “موسكو” المعاصر، يبرهن المال على كونه المعيار الجوهري الذي تُقاس به حقيقة الصفات الإنسانية.

 

 

تنتقل بنا الرواية إلى فصول “يروشاليم” (القدس) التاريخية، حيث تتجلى قصة الحاكم “بيلاطس البنطي” الذي أصدر حكم الإعدام بحق الفيلسوف الجوال “يوشع الناصري”؛ وهنا يتحول المال إلى رمز صارخ لخيانة “يهوذا” وانحطاطه القيمي. ويستحضر السرد ما جاء في إنجيل متى (26: 14-15) حين ذهب يهوذا الإسخريوطي، أحد التلاميذ الاثني عشر، إلى رؤساء الكهنة متسائلا: “ماذا تعطونني وأنا أسلمه إليكم؟”، فكان الثمن ثلاثين قطعة من الفضة.

 

وتمضي الأحداث لتصور مشهد القبض على يسوع ليلا في بستان “جثسيماني” أثناء صلاته، حيث تقدم منه يهوذا قائلا: “السلام يا سيدي!” وطبعه بقبلة كانت هي الإشارة المتفق عليها لتحديد الشخص المطلوب للحراس. ولكن، وبمجرد صدور حكم الموت بحق يسوع، استيقظ ضمير يهوذا وندم على فعلته، فحاول التكفير عن ذنبه بإعادة الفضة إلى رؤساء الكهنة معترفا: “لقد أخطأت إذ سلمت دما بريئا”، ثم استسلم لليأس وأنهى حياته انتحارا.

 

بيد أن بولغاكوف يذهب في روايته نحو إعادة قراءة جذرية للرواية الإنجيلية؛ فـ “يهوذا القرياتي” هنا ليس تلميذا أو رسولا، بل هو غريب دخيل، يلعب دور المُحرّض الذي يستدرج “يشوع” للإدلاء بآراء سياسية تشكل خطرا مباشرا على السلطة، وهو من يُدبّر لقاء بستان جثسيماني الشهير. والمفارقة هنا أن دافع يهوذا للمال لم يكن جشعا ذاتيا، بل كان يسعى إلى الحصول عليه ليفدي المرأة التي يعشقها من زوجها، فتتحول قطع الفضة الثلاثون في نظره إلى وسيلة للظفر بالحب. لكن المأساة تكتمل حين يتحول موعده مع محبوبته إلى فخ محكم، إذ استُدرج إلى الحديقة ليلاقي حتفه هناك قتلا بأوامر مباشرة من “بيلاطس البنطي”.

 

أما في فصول الرواية التي تتناول موسكو خلال حقبة الثلاثينيات، فيتحول المال إلى أداة سخرية لاذعة يستخدمها فولاند” وحاشيته لتعرية رذائل المجتمع المعاصر. وتصل هذه المكاشفة إلى ذروتها في المشهد الشهير بجلسة “السحر الأسود” بمسرح “الفارييتي”؛ حيث يستحضر فولاند عبر قواه الخارقة سيلا من أوراق “الشيرفونيت” والدولارات لتمطر فوق رؤوس الحاضرين، الذين يفقدون تماسكهم فورا ويندفعون في تهافت جنوني للاستحواذ على تلك الأموال.

 

 

من خلال هذا المشهد، يرسم بولغاكوف صورة ساخرة لاستعداد البشر للتخلي عن كرامتهم وإنسانيتهم في سبيل الكسب السهل، غير أن تلك الأموال سرعان ما تتبخر وتتحول إلى مجرد قصاصات ورق لا قيمة لها. وتتجلى قدرة المال التدميرية بوضوح في حكاية “نيكانور إيفانوفيتش بوسوي”، رئيس الجمعية التعاونية السكنية؛ فمقابل السماح لحاشية فولاند بالإقامة في إحدى الشقق، يقبل “بوسوي” رشوة بقيمة 400 روبل من “كوروفييف”، والتي تتحول سحريا فيما بعد إلى عملات أجنبية (دولارات). وبسبب مكالمة هاتفية مجهولة للسلطات، يجد هذا المدير الجشع — الذي اعتاد ممارسة الابتزاز الصغير — نفسه ضحية للمكنة القمعية للنظام السوفيتي في ذلك الوقت.

 

وثمة جانب جوهري آخر للمال يتمثل في كونه بوابة لعالم “الرفاهية” المحرمة، ويظهر ذلك في متجر “تورغسين” الذي يرتاده “كوروفييف” و”بهيموث”؛ وهو متجر مخصص للسلع النادرة التي لا تُباع إلا بالذهب أو العملات الصعبة. يمثل هذا المكان نقطة اصطدام بين واقعين متناقضين: الحرمان الكامل الذي يعيشه المواطن العادي، والوفرة الباذخة المتاحة فقط لـ “النخبة المختارة”. لذا، فإن الفوضى التي أحدثتها حاشية فولاند داخل المتجر لم تكن مجرد عمل تخريبي عشوائي، بل كانت فعلا رمزيا يهدف إلى التدمير الممنهج لهذه التفرقة الطبقية.

 

وعلى نقيض ذلك، تقدم الرواية شخصيات ترفض إغراء المادة بشكل رمزي؛ فالبطلة “مارغريتا” تخلت عن حياتها الرغيدة والآمنة مع زوجها الذي لا تكن له مشاعر، في سبيل عشقها لـ “المعلم”. فلم يعد للمال أي قيمة في وجدانها، تماما كما هو حال “المعلم” الكاتب، لينالا في نهاية المطاف مكافأتهما الحقيقية: حياة أبدية متحررة من زيف الماديات وغرورها.

 

المصدر: Gateway to Russia

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى