مع تفاقم مشكلة الغلاء.. اتساع ظاهرة عمالة الأطفال في الجنوب

سمانيوز/شقائق/ تقرير/ دنيا حسين فرحان
الزيادة ناتجة عن تداعيات خلفتها الحرب على صعيد الاقتصاد والمعيشة، واتسعت ظاهرة عمالة الأطفال في اليمن خلال السنوات الأخيرة، حيث أفادت تقارير لمنظمات حقوقية محلية أن نسبة عمالة الأطفال تتجاوز حالياً أربعة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب، بسبب ما أرجعته إلى تداعيات وآثار الحرب والحصار المفروضين وتردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية.
في العاصمة عدن والجنوب وبسبب الغلاء الفاحش أصبحت هناك أسر كثيرة محتاجة وبدون عائل، اضطرت لأن تجعل أطفالها يخرجون لسوق العمل، وقد يكون العمل فوق طاقتهم وتحمل أجسادهم الصغيرة، ولكن كل ذلك من أجل كسب لقمة العيش والحصول على قوت اليوم الذي أصبح أكثر ما يطمح إليه المواطن اليوم، بسبب ارتفاع الأسعار وهبوط العملة وانتشار البطالة التي نخرت المجتمع.
تداعيات حرب 2015م التي أشاعت الفقر في أرجاء البلاد التي يسكنها، وفق تقديرات غير رسمية، ما يربو على 32 مليون نسمة، أسفرت عن تزايد كبير في أعداد الأطفال المنخرطين في شتى الأعمال، والتي يشكل بعض منها خطراً عليهم مثل بيع الوقود، والحدادة، والميكانيك.
ويرى الباحث الاجتماعي وأستاذ علم الاجتماع في كلية التربية في جامعة عدن علي زين، أن “الحرب التي زادت من دائرة الفقر خلقت وضعاً جديداً في المجتمع، لا سيما في الجزء الريفي منه، يتمثل في تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال، حيث إن الفقر ليس السبب الوحيد، بل ساهمت في ذلك إلى جانبه البيئة الاجتماعية السائدة، وغالباً ما تُرصد هذه الظاهرة في المجتمعات الأقل مدنيةً، لأنها جزء من ثقافتها”.
وأشار إلى أن “الوزارة كانت تنظم قبل نشوب الحرب حملات توعية بخصوص عمالة الأطفال في اليوم العالمي لمكافحة هذه الظاهرة، الذي يصادف في 12 حزيران/ يونيو من كل سنة، وأن ممثلين عن الوزارة كانوا يراجعون جهات معنيّة في عدن بالتعليم والصحة والعمل والجمعيات الأهلية، لمناقشة وضع الأطفال وتشجيع تلك الجهات للعمل على مكافحة عمالة الأطفال، هذا فضلاً عن إقامة احتفال خاص في عدن بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال، وطباعة بوسترات خاصة بالمناسبة، لكن الحرب أوقفت تلك الإجراءات”.
وكانت منظمة العمل الدولية قد بدأت، في العام 2000، بمشروع للقضاء على عمالة الأطفال، تضمّن مراحل متعددة أولها توفير الدعم التقني بشأن توعية المجتمع للوزارات والمنظمات والجمعيات المعنية المحلية، بغية الوصول إلى شراكاتٍ وتهيئة البيئة قبل الشروع في تنفيذ باقي مراحل المشروع.
وأضاف أن “الوزارة وضعت في تلك الفترة تعليمات وقرارات حددت بموجبها لائحةً بالأعمال المحظورة على الأطفال العاملين تحت سنّ الـ18، وقامت بتوزيعها على الجهات الحكومية كافة، مثل الداخلية والإعلام والمساجد ووزارة الأوقاف ومنظمات المجتمع المدني. ونجحت تلك الإجراءات، حسب ما يقول، في سحب أكثر من 90 ألف طفل كانوا يعملون في ظروف خطرة وإعادتهم إلى المدارس.
واستدرك قائلاً: “كانت الظاهرة تنحسر، وكنا على وشك المضي إلى أبعد من ذلك، غير أن اندلاع الحرب وتهدّم المدارس وكثرة النزوح أدى ذلك إلى فقدان الأطفال مقاعد الدراسة، وكثيرون منهم فقدوا معيلهم، لتتفاقم ظاهرة عمالة الأطفال”.
يعمل الشقيقان محمد وبشير (11 سنةً و12 سنةً)، خمس ساعات في اليوم كمعدل وسطي، في محلٍ لحياكة أثواب يمنية تقليدية تُسمّى “المعاوز”، في وسط مدينة لحج، ويتقاضيان معاً أجراً يومياً يصل إلى ألف ريال يمني (أقلّ من دولار)، ومع أنه غير كافٍ لتلبية احتياجات أسرتهما، إلا أن والدتهما تقول إن “الأجر القليل أفضل من مد اليد لسؤال الناس”.
ويرى زين أن “من حسن الحظ وجود عائلات تحرص على إبقاء أطفالها ضمن نطاق التعليم، حتى وإنْ كانت قد اضطرت إلى الزجّ بهم في الأعمال”، ويرجع ذلك إلى “إيمانها بأن التعليم مقدس في الحياة، لذلك هي ترفض تسرّبهم من المدارس تحت أي ظرف حتى وإنْ كان الفقر المدقع”.
في سنٍ لا يتعدى 11 عاماً، وجد “قاسم” نفسه في مواجهة مصاعب الحياة، تاركاً مدرسته ومعها كل أحلام الطفولة، حيث اضطرته الظروف المعيشية الصعبة لقضاء أغلب ساعات يومه في أحد شوارع العاصمة عدن، لمحاولة بيع ما تيسر من خضروات، من أجل إعالة أسرته.
ويقول محمد علي (أحد الأطفال): تركت الدراسة عندما كنت في الصف الثالث، وأنا أعمل منذ 5 سنوات بالعربة لأساعد والدي في المصاريف، لأن ليس لدينا راتب ولا أي مدخول آخر.
الظروف نفسها هي من دفعت الطفل “عثمان” ليتحمل المسؤولية مبكراً، من خلال العمل في ورشة لصيانة السيارات، وهي مهنة تحتاج إلى الكثير من التعب والجهد.
ويقول عثمان أنا أعمل في محل لإصلاح إطارات السيارات، لمساعدة أبي في إعالة أسرتي، ولدي أربع أخوة، وتركت الدراسة في الصف الأول الثانوي.
هذه النماذج تحكي معاناة وواقع عشرات الآلاف من الأطفال، مع اتساع ظاهرة عمالة الأطفال في البلد خلال السنوات الأخيرة. ظاهرة يعيدها المختصون إلى الحرب الدائرة وتداعياتها وما رافقها من حصار خانق وتردٍ معيشي، ووضع اقتصادي متدهور وارتفاع لمعدلات الفقر، وكذا انقطاع المرتبات، وفقدان الكثير من العائلات لمصادر دخلها، إضافة إلى حالات النزوح والتشرد.
ووفق تقارير حديثة لمنظمات حقوقية، فإن نحو مليون و400 ألف طفل هم أعداد الأطفال المنخرطين في أعمال متعددة، يشكل بعض منها خطراً على حياتهم، ناهيك عن حرمانهم من التعليم وأدنى استحقاقات الطفولة، إضافة إلى ما قد يلحق بهم من صدمات نفسية.
وتكشف صحيفة اندبندنت عربية عن اتساع ظاهرة “عمالة الأطفال”، التي تتفاقم كل يوم حتى أصبح من المعتاد مشاهدة الأطفال “باعة متجولين” في الشارع في أوقات الدراسة، حاملين عبوات المياه وأدوات الزينة، وما يتوقعون أن يستهوي المسافرين والزوار.
وكانت أسرة الطفلين تسكن محافظة أبين، والدهما كان أحد منتسبي الجيش (عسكري)، وبسبب ضيق المعيشة وانقطاع الرواتب قررت العائلة النزوح إلى العاصمة عدن، التي استقبلت معهم ملايين اليمنيين النازحين الفارين والباحثين عن الحياة، وباتت المدينة التي لا ترفض من فر إليها كملجأ أخير، في تلك الناحية من البلد المنكوب.
ويرافق عديد من الأطفال آباءهم في المتاجر أو بسطات الباعة المتجولين لساعات طويلة، من أجل الحصول على بضعة آلاف من الريالات، التي دفعتهم لترك دراستهم ومساعدة آبائهم على أعباء الحياة القاسية.
– ظروف “رهيب” و “وهيب”:
وأسهمت عديد من العوامل في تنامي ظاهرة عمالة الأطفال، بفعل الحرب والصراع الدائر في اليمن وانقطاع رواتب الموظفين المدنيين، وفقدان الآلاف أعمالهم ووظائفهم، في حين يتمدد الفقر والجوع والبطالة وانهيار الأمن الغذائي ليشمل معظم سكان البلاد.
يقول “رهيب”، البالغ من العمر 10 أعوام، إنه يحصل على 6 آلاف ريال يمني كربح يومي صافٍ، أي ما يقابل (6-10 دولارات)، حسب تقلبات أسعار العملة المحلية، مقابل العمل لأكثر من عشر ساعات، من أجل مساعدة عائلته.
ويضيف شقيقه “وهيب”، البالغ من العمر 13 عاماً، “نحن هنا نبيع المياه من أجل مساعدة أبي في مصروفات البيت. كنا ندرس قبل النزوح، لكن الآن نحن متوقفون منذ عام ونصف العام في انتظار ملفات الدراسة، ليأتي بها أحد أقاربنا لنتمكن من الالتحاق ومواصلة الدراسة في مأرب اليمنية”.
أما والدهما حسين أحمد، فيقول إن ظروف الحياة والنزوح قاسية وتستدعي التعاون لتجاوز المعاناة، مؤكداً أن “رهيب” و”وهيب” سيعودان إلى مقاعد الدراسة في بداية الفصل الدراسي الجديد.
– قصور منظمات الإغاثة:
يقول الناشط الحقوقي علي التام، رئيس منظمة حماية للتوجه المدني: “إن المنظمات الدولية تتحمل مسؤولية قانونية، فضلاً عن مسؤوليتها الأخلاقية تجاه الأطفال بشكل عام، وخصوصاً عمالة الأطفال التي لم تقدم المنظمات العاملة في المجال الإنساني أي إجراء يُذكر للحد منها أو معالجة أسبابها”.
وأضاف التام: “نرى مستقبلاً صعباً يواجه الأطفال هنا، ونتمنى من الجهات المعنية أن تراجع حساباتها مع هذه المنظمات في بروتوكولاتها، وأن تعمل على تفعيل دورها للحد من ظاهرة عمالة الأطفال، ولو نسبياً”.
حددت منظمة الأمم المتحدة يوم 12 يونيو/حزيران، من كل عام ليكون اليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال، وفيه تقام فعاليات حول العالم بمشاركة الحكومات ومنظمات المجتمع المدني، للتنبيه على ضرورة مكافحة الظاهرة، والتأكيد على استراتيجيات العمل للقضاء عليها.
ويختتم الناشط الحقوقي علي التام بالقول: “تنامي ظاهرة عمالة الأطفال في اليمن، هي واحدة من دلائل عديدة على الواقع المأساوي، لشريحة تُعد من أكثر الفئات تأثراً وتضرراً، في ظل تقارير دولية تتحدث أن نحو 11 مليون طفل باتوا بحاجة ضرورية للحماية والدعم”.
