دولة داخل دولة.. كيف تحوّل محور تعز إلى سلطة جباية؟
بين أوامر حكومية لم تُنفذ ورد عسكري يبرر الجباية بحجة البقاء، تتكشف هيمنة مؤسسية في تعز

سمانيوز /تقرير/هشام صويلح
في 11 نوفمبر 2025، أصدر رئيس مجلس الوزراء سالم صالح بن بريك أمرًا رسميًّا بفتح تحقيق عاجل في استيلاء قيادة محور تعز على موارد الدولة، مُطالبًا بإزالة كافة نقاط الجباية على الطرقات، وإحالة المتورطين إلى الجهات الرقابية. هذا التصعيد، الذي جاء بعد ستة أشهر من توجيهات سابقة من وزير الدفاع، يُظهر تحوّلًا من التنبيهات إلى التحقيق، لكنه لا يُجيب على سؤال جوهري: كيف تحوّل جهاز عسكري مُفترض أنه جزء من الدولة إلى سلطة جباية مستقلة؟
الإجابة تكمن في تسلسل وثائقي مترابط، بدأ بخطاب من مدير مكتب رئيس الوزراء في أغسطس 2025، يُفيد بوجود توجيهات من رئيس الوزراء لوقف استيلاء وحدات محور تعز على ضريبة مبيعات القات — وهي ضريبة يُفترض أن تُحصّلها مصلحة الضرائب المحلية، وتُودع في حسابات البنك المركزي. ردّ وزير الدفاع، في مذكرة موجهة إلى قائد المنطقة الرابعة وقائد المحور، كان صريحًا: “يجب الالتزام الفوري بوقف هذه التجاوزات”، مُذكّرًا بأن توجيهات مشابهة صدرت في أكتوبر 2024 ويونيو 2025، ولم تنفذ. التكرار هنا ليس ترددًا، بل دليل على عجز مؤسسي: فالتعليمات تُصدر، لكن لا تُنفذ، لأنها لا تُرافقها آلية رقابية أو عقابية.
الردّ من محور تعز، في مذكرة رسمية موجهة إلى وزارة الدفاع، لم ينكر النشاط، بل برّره. فالمحور، وفق وثيقته، لا يتلقى دعمًا ماليًّا من السلطات المركزية، ولا تتجاوز المساعدات التي تصله 20% من احتياجاته الأساسية، من مصاريف تشغيلية إلى تسليح وصيانة. الجندي في المحور يتقاضى 100 ريال سعودي — أي نحو 65 ألف ريال يمني وفق سعر الصرف آنذاك، وهو ما يعادل أقل من 10% من رواتب جنود الجبهات المجاورة، وفق ما أشار إليه المحور نفسه، ويظل غير كافٍ لتغطية الاحتياجات الأساسية. ومع أن خبراء عسكريين يؤكدون أن معظم ألوية القوات الحكومية تتلقى رواتب متقاربة بسبب الانهيار العام في نظام الرواتب، فإن هذا الواقع لا يقلل من حدة الشعور بالتهميش لدى قيادة محور تعز، الذي تحول إلى حجة مركزية لتبرير استمرار السيطرة على الموارد المحلية.
هذا الواقع، رغم أنه لا يبرّر النهب، يُفسّر دوافعه: فعندما تُلغى الدولة كمُموّل، تصبح الجباية وسيلة بقاء.
وهنا تكمن نقطة التحول: لا يُفترض أن تُصبح وحدة عسكرية مُستهلكة للخزينة، هي نفسها مُدرّة للدخل. لكن في غياب رقابة مالية أو توزيع عادل للموارد، تتحول أي مؤسسة تملك سلاحًا إلى مُنظّمة اقتصادية. مصلحة الضرائب، في مذكراتها، تُثبت أن المحور استولى على أكثر من 1.8 مليار ريال من ضريبة القات في عام واحد فقط — وهي أرقام لا تُستمد من تقديرات، بل من تقارير مكتوبة ومحاضر توريد مُقدّمة من المكتب نفسه. هذه الأرقام ليست تجاوزًا عابرًا، بل هي نظام مُنظّم: فكل يوم، تُحصّل نقاط الجباية نحو 25 مليون ريال، بحسب مذكرة مكتب رئيس الوزراء، وتُوزّع على مصاريف المحور دون رقابة أو إفصاح.
والمفارقة أن هذه الجبايات لا تُستخدم لدعم جبهات نشطة. ففي تعز، لم تُشن معارك حقيقية ضد الحوثيين منذ نهاية 2019، وفق تقييمات عسكرية مُستقلة. ما يُسمى “جبهة” هو خط تواجد، وليس خط قتال. وبالتالي، فإن تبرير النهب بـ”تغطية نفقات الحرب” يُصبح غير مبرّر من الناحية العسكرية، بل يُعيد تشكيل المحور ككيان اقتصادي-سياسي مستقل، يُدير موارد مدينة كاملة بمقاييسه الخاصة.
الحكومة، في محاولاتها، تُعيد إنتاج نفسها كمؤسسة تُصدر تعليمات، لكنها لا تمتلك أدوات تنفيذ. فخطابات وزير الدفاع لا تُرافقها وحدات رقابية، ولا تُفعّل آليات تفتيش مالي، ولا تُستدعى مسؤوليات قانونية. حتى التحقيق المُعلن في نوفمبر، وهو الأقوى حتى الآن، لا يُرافقه تعيين لجنة مستقلة، ولا إشارة إلى إمكانية إيقاف قيادة المحور أو تجميد حساباته. التحقيق، إذًا، قد يكون مجرد إجراء شكلي — يُظهر أن الدولة “تتحرك”، لكنه لا يُغيّر من واقع أن السلطة الفعلية في تعز تُمارسها جهة لا تُخضع لقانون ولا لموازنة.
النتيجة ليست فسادًا عابرًا، بل انهيارًا مؤسسيًّا: فعندما تُصبح الجباية هي الوسيلة الوحيدة للبقاء، تصبح الجهة التي تفرضها هي السلطة الحقيقية. والمواطن، في تعز، يدفع ضريبة القات مرتين: مرة للدولة، ومرة لمن يُسيطر على الطرقات. وعندما يُطلب منه تجديد بطاقة هوية أو جواز سفر، يُفرض عليه رسم إضافي، لا تُحدده مصلحة، بل قائد محور. هذا ليس تجاوزًا، بل إعادة تعريف للسلطة.
الدولة لا تُفقد عندما تُهزم في المعركة، بل عندما تُفقد وظيفتها: تأمين الموارد، وحماية المال العام، وضمان توزيع العدالة. في تعز، لم تُهزم الدولة، بل اختفت — وحلّ محلها نظام اقتصادي يُدير نفسه، ويُبرّر نفسه، ويُقاوم كل محاولة لإعادته إلى دائرة القانون.
التحقيق المعلن في نوفمبر لا يغير الواقع ما لم يرافقه تدخل فعلي. والوثائق تثبت أن المحور لا يخفي نشاطه، بل يدافع عنه كحق مكتسب. والسؤال الأصعب: هل تستطيع الدولة إعادة بناء سلطتها، أم ستكتفي بإصدار تعليمات تُطوى في الأدراج؟
