مقالات

((الوضع الأوكراني))

بقلم : سالم محمد الضباعي

كانت جمهورية أوكرانيا الاشتراكية ثاني قوة داخل الاتحاد السوفياتي السابق وينتمي معظم سكانها إلى العرق السلافي ولغتهم تقريباََ هي اللغة الروسية وذلك فضلاََ عن كونها تتلاقى مع الروس في التيار الأوسع للثقافة والتاريخ الروسي.
مع سقوط الاتحاد السوفياتي وانفراط عقد التحالف الذي كانت تنتظم فيه جمهوريات الاتحاد السوفياتي وضعف وتخبط مركز القيادة والحكم في موسكو تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية وحلف الناتو لانتهاز ما تتيحه لها ظروف الإنهيار الكبير من فرص وإمكانيات لسلب روسيا من جميع حلفائها وشركائها السابقين داخل الاتحاد السوفيتي وفي المعسكر الاشتراكي وتوجيهها باتجاه معادلات جديدة تسهم في خنق وإضعاف ومحاصرة العملاق الروسي الجريح وقد جرت مياه كثيرة في ذلك الإتجاه.

كان هناك الكثير من العقلاء في الأوساط الفكرية والنخب الأكاديمية في أميركا والغرب ترى في انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي فرصة إيجابية بإتجاه الخروج من عصر الحرب الباردة التي قسمت العالم بين القوتين العظميين والمعسكرين الجبارين وافضت بسبب ذلك إلى سباق تسلح محموم وإهدار إمكانيات وطاقات وقدرات هائلة في غير محلها وإعاقة الآفاق الواسعة للتعاون الدولي والتكامل الحضاري بما يحمي وحدة الوجود ويصون المصير المشترك للإنسانية ودعوا من أجل ذلك إلى إعلان حل حلف شمال الأطلسي (الناتو) وإعادة بناء الأمم المتحدة على أساس النظام التعددي بتوسيع العضوية الدائمة لمجلس الأمن الدولي وتوسيع دور ومكانة المنظمات غير الحكومية وغيرها من الأفكار.

لكن ومع الأسف الشديد انتصر الإتجاه الرافض والمعاكس لتيار العقلاء وهو _التيار النيوليبرالي _ الذي ارتأى أن نهاية الحرب الباردة بهزيمة المعسكر الاشتراكي وانهيار الاتحاد السوفيتي يقدم فرصة ذهبية لأمريكا لقيادة العالم وإنشاء وترسيخ نظام القطبية الواحدة وبدلاََ من حل حلف شمال الأطلسي الناتو الذي تأسس اصلاََ لمواجهة الاتحاد السوفيتي تم تعزيز وجوده وتوسيع أهدافه في حين توسع الاتحاد الأوروبي على حساب مجال النفوذ الجيوسياسي الروسي وتم ضم العديد من دول أوروبا الشرقية باستخدام الجزرة الاقتصادية وسوط حلف الناتو وتحت أساليب مختلفة من ضمنها الثورات الملونة وأصبحت تلك الدول التي كانت ضمن المعسكر الاشتراكي أو الاتحاد السوفياتي أكثر عداء وحدة لروسيا الاتحادية من الولايات المتحدة ودول الغرب الاستعمارية الرأسمالية.

كانت أوكرانيا واحدة من تلك الدول التي لبست ثوباََ ملوناََ غير ثوبها الأصيل دون أي مراعاة لتركيبتها الداخلية ونسيجها ولحمتها المجتمعية وبدلاََ من أن تبتدع سياساتها واستراتيجياتها الخاصة التي تعكس وتجسد المصالح العامة والمشتركة للشعب الأوكراني فقد ذهبت باتجاه عمل كل ما من شأنه اغضاب وازعاج شريكها الروسي داخل الوطن وجارها العملاق الذي بدأ بالتعافي واستعادة دوره ومكانته الدولية منذ صعود الرئيس فلاديمير بوتين إلى سدة الحكم في الكرملين ولم تأخذ العبرة والدرس مما حصل في جمهورية جورجيا السوفياتية السابقة وتوغلت في استجداء الدعم الأمريكي والأوروبي بل شحت حلف الناتو ليضمها إلى عضويته وهذا الأمر الذي لم ولن يحصل ابداََ.

منذ اللحظات الأولى لقدوم الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جوبايدن كان التوجه الأمريكي في أوكرانيا مستفزاََ للغاية للدولة وللشعب الروسي ولم تتخلف القيادة الأوكرانية عن استغلال اللغة الجديدة في واشنطن فتحركت لفرض وقائع جديدة على الأرض وشربت حليب السباع لترفع من حدة خطابها السياسي والإعلامي ضد موسكو ولتدعي حسمها عسكرياََ الصراع في إقليم الدنباس واستعادتها السيادة على جزيرة القرم التي استعادتها روسيا واحكم الجيش الروسي الجبار قبضته القوية فيها دون أن تعي بأن الخطاب الأمريكي الجديد ضد القيادة الروسية والدولة الروسية لا يعدو الا ان يكون خطاباََ للداخل الأمريكي وللحلفاء الأوروبيين الغاضبين من عهد ترامب السابق وهو خطاب وتصريحات استعراضية فارغة وغير جدية.

ومن هنا تحركت فيالق الجيش الروسي لتنتشر على الحدود المحاذية مع أوكرانيا ولم تتهاون القيادة السياسية الروسية في أخذ الأمر بأقصى حدود الجدية والاستعداد العملي الكامل لأقصى حدود ما يمكن أن تصل الأمور مع الجارة المتمردة ومع القيادة الأمريكية المنفلت عقال لسانها وحذرت روسيا بوضوح أن أي تحرك عسكري أوكراني لحل الأزمة الداخلية سيؤدي إلى انتهاء أوكرانيا وان مغامرة غير محسوبة ستقابل برصاصة في الوجه ومن هنا استيقظت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والإتحاد الأوروبي لهول الكارثة والنكبة التي تسير نحوها القيادة الأوكرانية فيما صدم الرئيس بايدن وإدارته باللغة الروسية الصارمة والقاسية المعززة بتحركات الجيوش الروسية فذهب ليبحث عن مخرج يحفظ له ما الوجه عن طريق التشاور مع حلفائه الأوروبيين في حلف الناتو وليفكر بإرسال بعض السفن الحربية إلى البحر الأسود لتعزيز موقف الرئيس الأوكراني الذي سيكون عارياََ تماماََ من أي نجدة أو عون وسيكتشف لاحقاََ أن المتغطي بأمريكا عريان.

السبت 10 أبريل 2021م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 + إحدى عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى