وحدة الصف.. جسر العبور نحو نهضة الجنوب

كتب: د. عامر الحريري
ما أحوجنا اليوم في جنوبنا الحبيب إلى تجسيد وحدة صفّنا وتسويره بوعيٍ جمعيٍّ يتسامى عن مصالح الأنا الضيّقة، فالشعوب المتقدّمة والمحبّة لوطنها وتراب أرضها تعي أنّه لا يوجد ما هو أثمن من وحدتها. فالجنوب الذي قدّم التضحيات الغالية، ورسم بدماء أبنائه طريق الحرية والكرامة، لن يبلغ مراده ولن يحقق نهضته إلا إذا امتلك القدرة على صون صفّه الداخلي من عوامل التناحر والتشظّي. إن وحدة الصف ليست شعاراً سياسياً عابراً، بل هي قدر الشعوب التي تريد أن تكتب لنفسها مستقبلاً مشرفاً، وهي السور الحامي الذي يتكسر أمامه كل مشروع يسعى لتمزيق الهوية الجنوبية أو حرفها عن أهدافها الكبرى.
التمزّق، وإن بدا في ظاهره خلافاً في الرأي أو اختلافاً في الوسائل، فإنّه حين يتجاوز حدوده الطبيعية يتحوّل إلى سلاح بيد الخصوم، ينهش جسد المشروع الوطني من الداخل، ويترك فراغاً مميتاً تتسرّب منه مشاريع الهيمنة والإقصاء. وما لم ندرك أن الانقسام يعني ضياع الفرص التاريخية، فإنّنا سنظل نعيد تكرار ذات المأساة جيلاً بعد جيل.
الجنوب بحاجة اليوم إلى عقلٍ جمعي يسمو فوق الأنا الضيّقة، إلى ضمير وطني يجعل المصلحة العامة ميزان كل فعل، إلى رجال يترفعون عن المكاسب الصغيرة ليحفظوا للأجيال القادمة وطناً كبيراً، آمناً، كريماً. الوحدة هنا لا تعني ذوبان الاختلاف أو إلغاء التنوع، بل تعني إدارة هذا التنوع بروح الشراكة، وتحويله من عبءٍ إلى مصدر قوّةٍ وغِنى.
إنّ صوت العقل والضمير ينادي أبناء الجنوب: إن كنتم تريدون نهضة حقيقية، فارفعوا راية الوحدة الداخلية فوق كل راية، واغلبوا المصلحة العامة على نزعات التمزق. فالتاريخ لا يرحم، والأوطان لا تُبنى بالشتات، وإنّما تُشيَّد بالتماسك والإيمان المشترك. الجنوب لا ينهض إلا إذا قرر أبناؤه أن يكونوا صفّاً واحداً، وأن يجعلوا من مشروع الوطن هو البوصلة الوحيدة، ومن المصلحة العامة هي الطريق إلى الحرية والكرامة والنهضة.
