مقالات

تعز.. حيث تموت الأدوات ويبقى مهندسو الجريمة

كتب:حافظ الشجيفي

ليست الحروب دائمًا عبارة عن جيوش تصطدم في السهول او تحتدم في الجبال، ولا الثورات مجرد هتافات تعلو في الساحات. فثمة حرب أخرى، أكثر خبثًا وأعمق غورًا، تُخاض في دهاليز السياسة المظلمة، حيث تُصمم الجرائم ببرود، وتُنفذ بأيدٍ مأجورة، ثم تُدفن الحقيقة تحت ركام من الروايات الجاهزة سلفًا. إنها الحرب التي تجعل من الجثة الطريّة مجرد دليل يجب إعدامه، ومن القاتل المُدان أداة ينبغي التخلص منها قبل أن تنطق. ففي هذا المسرح المُعتم، حيث تلتقي المصالح الخفية بالاجندات الخارجية، تقف تعز اليوم كحقل اختبار لأفظع أنواع الصراعات، ليس صراع القوى فحسب، بل صراع الإرادات لإخفاء الحقيقة وتزييف الوعي.

فالحادثة بكل تفاصيلها المأساوية – اغتيال الشهيدة أفنتهان المشهري في وضح النهار وبدم بارد – وما تلاها من “تصفية” قاتلها المزعوم، محمد صادق المخلافي، في عملية أمنية مفاجئة، ليست سوى فصول من مسرحية دموية كُتبت نهايتها قبل أن تبدأ. فالإعدام الميداني للمخلافي ليس انتصارًا للعدالة، بل هو إجهاض لها. وإغلاق متعمد لأهم ملف يمكن أن يقود إلى الجناة الحقيقيين الذين أمسكوا بزمام هذه الأداة البشرية، وجهزوها، وأطلقوها في توقيت محسوب لخدمة هدف أكبر. فموت المخلافي يشبه إلى حد كبير إتلاف السلاح الذي نفذ به الجريمة؛ إنه محو للبصمات، وتنظيف للمشهد من أي أثر قد يقود إلى من هم فوق القانون.

وفي خضم هذا المشهد، تطفو على السطح قراءات ساذجة تختزل هذا التعقيد في صراع داخلي ضيق، أو تُحمِّل جهة سياسية بعينها، مثل حزب الإصلاح، وزر الفوضى بأكملها. هذه القراءة الجزئية تتجاهل التشريح الحقيقي للجسد السياسي في تعز. فالحقيقة الأكثر مرارة هي أن السلطات المحلية ليست بريئة من دماء المدينة، وهي ليست طرفًا منفصلًا عن حزب الإصلاح أو غيره عندما يتعلق الأمر بتنفيذ أجندات قوى خارجية. فكلاهما – السلطة المحلية والقوى السياسية الفاعلة – يشكلان حلقتين في سلسلة واحدة، تربطهما مصالح متقاطعة مع جهات دولية تسعى لتحقيق مكاسبها عبر نشر الفوضى.

إن ما يحدث في تعز، وكذلك في بؤر التوتر الأخرى المنتشرة على جغرافية اليمن ، ليس وليد الصدفة أو مجرد اختلالات داخلية. لانه نتاج مخطط استراتيجي كبير، يُحاك بخبرة عالية، ويهدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وتشتيت الهوية الوطنية. فهو مشروع لا يعتمد على القنابل وحدها، بل على وسائل أكثر فاعلية: نشر الجريمة المنظمة لتحطيم الشعور بالأمان، وقطع الخدمات والرواتب لخلق اليأس، وتعقيد الحياة اليومية لإرهاق المواطن حتى يصبح همّه البقاء على قيد الحياة فقط، لا المطالبة بحقوقه أو المشاركة في صنع مستقبل بلاده.

لذا، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه أبناء تعز الأبطال ليس في الانخداع بمسرحية “القصاص” من قاتل وحيد، بل في إدراك أن معركتهم الحقيقية لم تبدأ بعد. فمقتل محمد صادق المخلافي يجب أن يكون جرس إنذار، لا ناقوس راحة. فهو الإشارة الأكثر وضوحًا إلى أن “المحرمين الحقيقيين” يشعرون بالخطر، ويحرقون المراحل لدفن أسرارهم. لذلك، لا مكان للتراجع الآن. فالحراك الشعبي الرافض للفوضى، المطالب بالحقوق الأساسية والحياة الكريمة، هو السلاح الوحيد الذي يمكن أن ينزع الأقنعة ويطهر المدينة من رجس العملاء والمجرمين الذين يبيعون وطنهم لقمة سائغة لأصحاب المخططات التدميرية.

ليست النهاية أن يُقتل قاتل مأجور، بل النهاية الحقيقية هي أن يصمت صوت المطالبين بالعدالة والحقيقة. وطالما أن شوارع تعز تتنفس ثورة، وطالما أن ضمير أبنائها يقظ، فإن أملًا واحدًا يبقى قائمًا: أن تخرج المدينة من هذا النفق المظلم، ليس فقط منتصرًة على قتلة الشهيدة أفتهان، بل منتصرًة على كل من يتاجر بدماء أبنائها واستقرارها من أجل أجندات لا تمت إلى مصلحة اليمن وأهله بأي صلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى