فرنسا تمنح أرفع ألقابها الأدبية للروائية الأيرلندية إدنا أوبراين

سمانيوز / آداب وثقافة
تزامناً مع احتفال إدنا أوبراين، التي تعد على نطاق واسع أهم روائية أيرلندية على قيد الحياة اليوم، بعيد ميلادها التسعين، والذكرى الستين لصدور أولى رواياتها، قررت السلطات الفرنسية منحها أرفع الألقاب الثقافية في البلاد.
ومنحت فرنسا أوبراين في 7 مارس رتبة قائد في “فرسان الآداب والفنون”، وهو تكريم يمنح حصراً لنخبة النخبة من الشخصيات التي أثرت في ثقافة العالم الفرنكوفوني منذ 1957.
ومن غير الفرنسيين، حصل على اللقب ذاته كتابٌ من الدرجة الأولى، كالبريطاني تي إس إليوت، والأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، والأيرلندي شيموس هيني، والأميركي راي برادبري، وعدد من الشخصيات الفنية الأخرى مثل شون كونري وبروس ويليس وميريل ستريب.
وتولت وزيرة الثقافة الفرنسية، روزلين باشلوت-ناركوين، منح أوبراين التكريم في حفل افتراضي حضرته وزيرة الثقافة الأيرلندية كاترين مارتن، والمؤلف الأيرلندي كولوم ماكان، والممثل الأيرلندي غابرييل بيرن، وكثير من المهتمين بالثقافة في البلدين.
وألقت الروائية المكرّمة كلمة مسجلة من مكان إقامتها الحالي، في حي تشيلسي بالعاصمة البريطانية لندن. كما أشادت الوزيرة باشلوت-ناركوين بالروائية على “التزامها الثابت بالحريات، سواء في كتاباتك أو في حياتك” و”لإلهام عدد لا يحصى من النساء بقوة كلماتك”.
ووصف بيان للسفارة الفرنسية في دبلن، أوبراين، بأنها “مناضلة نسوية منحت صوتاً للنساء في جميع أنحاء العالم”، و”واحدة من أعظم الكتاب في القرن العشرين”، وبأن “ثمة رابطة خاصة نشأت لها مع فرنسا وجمهورها من خلال نوعية كتاباتها، وكذلك من أجل نضالاتها العالمية التي طالما لقيت صدى هناك”.
وكانت أوبراين افتتحت مهرجان أفينيون المسرحي الفرنسي الأهم العام الماضي بقراءة من روايتها الأخيرة “فتاة” (2019) التي قال عنها بيان السفارة إنها “حكاية مؤثرة عن العنف ضد المرأة، وهو أحد شواغلها مدى الحياة”.
كما كانت أول كاتبة غير فرنسية تحظى بجائزة “Prix Femina” المرموقة أيضاً عام 2019 على مجمل أعمالها الأدبية، وحصلت بطبيعة الحال على كل الجوائز الأدبية الرئيسية في بلادها.
وبعكس المألوف للسيدات في عمرها وهنّ يدلفن إلى العقد العاشر، فإن أوبراين ما زالت تنبض بالحياة فتكتب وتُجري مقابلات مطوّلة مع الصحافيين. وهي كانت قد ألقت قبل أسبوعين محاضرة “تي سي إليوت” التكريمية لهذا العام التي سُجلت في السفارة الأيرلندية بلندن وسيتم بثها تلفزيونياً في عيد ميلادها.
ووصفت أوبراين تجربة تقديم تلك المحاضرة بـ”المضيئة”، قائلة في لقاء صحافي: “أردت أن أعطي في 15 دقيقة شعوراً بالرّجل الذي كانه إليوت: الإنسان والشعر والسّحر الغامض المختلط بالقسوة أحياناً دون أن أقع في فخ الثرثرة، لكنّي انتهيت بعد أن تحدّثت لـ150 دقيقة”.
ولدت أوبراين في أيرلندا عام 1930 لعائلة كاثوليكية متزمتة تعمل بالزراعة. وأدمنت في مراهقتها على الكحول وكانت تهرب من واقعها إلى الكتابة التي طالما اعتبرتها والدتها -ومعها قطاع عريض من المجتمع الأيرلندي المحافظ- إثماً صنو الخطيئة، ولا تليق بالفتيات المُحترمات، وكانت تخجل من مواجهة سكان القرية كلّما صدرت لابنتها رواية جديدة.
باكورتها «بنات الريف»، كتبتها خلال 3 أسابيع عام 1958 ونشرت 1960 بعد انتقالها إلى لندن مع زوجها، حكت فيها عذابات امرأة شابة تغرق داخل مجتمع أيرلندي محافظ قمعي في أجواء ما بعد الحرب العالمية الثانية، لكن الرقيب الأيرلندي منع تداولها، وتداعى كهنة الأبرشيات لحرق المطبوع منها، وأُحرقت بالفعل نسخ من قبل رعية إحدى الأبرشيات، وكسرت شيئاً بعلاقتها بأمّها للأبد.
لكنّ ذلك لم يردعها، واحترفت من يومها مقاربة المسائل المثيرة للجدل كالأعمال الإرهابية وقصص ضحايا الاغتصاب وسعيهن للإجهاض -المحرّم بشدة في أيرلندا تلك الأزمنة- ومختلف أشكال أزمات النساء الاجتماعية ومعاناتهن من البطركيات والكبت والسجن في العلاقات الزوجية الفاشلة، ولذا تكرر حظر رواياتها، وهاجمتها الصحافة المحلية في بلادها بلا رحمة.
في روايتها الأخيرة رسمت صورة مؤثرة مثيرة للعواطف نقلت فيها أجواء صدمة التلميذات النيجيريات اللاتي اختطفهن مسلحون تابعون لجماعة “بوكو حرام”.
تمتاز أوبراين بدقة صياغتها فكأنها تنسج أعمالها قطبة قطبة، وهي دقة لا بد متأتية من البحث الذي تلزم نفسها القيام به تحضيراً لكتابة أعمالها.
ومن أجل “فتاة” سافرت بنفسها مرتين إلى نيجيريا وهي في أواخر الثمانينات من العمر، والتقت هناك عشرات الأشخاص المعنيين بحادثة الاختطاف المروعة لـ276 من تلميذات المدارس: الفتيات الناجيات الهاربات من الاحتجاز، وأمهاتهن وشقيقاتهن، واختصاصي الصدمات النفسية والأطباء وممثلي اليونيسيف قبل أن تشرع في كتابة حرف واحد. لكنها عندما كتبت الحادثة بدت كأنّها خطّت مأساة إغريقية معاصرة.
تقول أوبراين إن فكرة “الرواية” كانت من تقرير صحافي اطلعت عليه صدفة عن فتاة وُجدت تتجول في غابة سامبيسا بنيجيريا. كانت تلك إحدى التلميذات المخطوفات وفرّت من قبضة محتجزيها، لكنها فقدت عقلها وكانت حاملاً بطفل، “لقد أصابتني كمية العنف والظلم التي تعرضت لها في صميم روحي”.
واعترفت لاحقاً بأنها هرّبت 15 ألف جنيه إسترليني إلى لاجوس في أكمامها وملابسها الداخلية كي تقدر على مدّ العون للناس. لكنّها تشعر اليوم بشيء من الصدمة، إذ منحها الفرنسيون جائزة على “فتاة”، واحتفى بها القرّاء في ألمانيا، فيما بدا العالم الأنغلوفوني، لا سيما في الولايات المتحدة غير معني كثيراً بمأساة التلميذات -إذا قسنا ذلك على الأقلّ بعدد النسخ المبيعة من الرواية مقارنة بأرقام بيع الترجمات إلى اللغات الأوروبية الحية.
عاشت أوبراين شبابها في صخب تام، وكان منزلها دائماً زوبعة اجتماعية لا تهدأ، وقضت أوقاتاً كثيرة مع بعض من الرجال الأكثر بريقاً في العالم، من مارلون براندو إلى ريتشارد بيرتون وروبرت ميتشوم.
لكنها تقول الآن إنها قد تكون ارتكبت أخطاء في شبابها، لكن كثيراً مما قيل عنها كان أساطير متخيلة، مشيرة إلى أنها في معظم المناسبات الاجتماعية “كانت تقوم بالطبخ وخدمة الضيوف، وهي أيضاً ربت طفلين، ونشرت 18 رواية و10 مسرحيات وغيرها من الأشياء”.
طبعاً تغيرات الأجواء الاجتماعية بشكل كبير في موطنها خلال السبعين عاماً الماضية، ولذا فإن أيرلندا الرمادية القاتمة التي حاصرت أوبراين أصبحت اليوم من أكثر المجتمعات الأوروبية حداثة وأقل خجلاً بما لا يقاس، وهي اليوم تحتضنها بحنوّ كرائدة للتحرر النسائي وأفضل كاتباتها الأحياء.
تقول الروائية التسعينية: “الكتابة حياتي، إنني أتنفس كتابة”، وهي لا تزال تطمح اليوم إلى رواية أخيرة، لكنها ليست متأكدة من قدرتها على تحمّل النّزق الذي تحتاجه، والذي ما زال نابضاً في روحها، لكنّ جسدها النحيل والمتعب قد لا يطاوعها لمزيد من الاشتعال والتحليق.
وعلى الرغم من أنها لا تخطط للعودة إلى أيرلندا، فإنّها جهّزت “قبراً جميلاً جداً” هناك يقع على جزيرة مقدسة على نهر شانون إلى جوار مقابر عائلة أمها، برغم أن الأخيرة ليست مدفونة هناك، لأنها أوصت بأن يكون قبرها في القرية بين الناس، حيث العابرون يصلون صلاة عاجلة من أجل روحها. أما أنا، تقول أوبراين، “فأريد أن أضّجع حيث الطيور وبقايا الأديرة القديمة، وصوت البحيرة وأغاني الطبيعة”.
