«بائِعة الصحف» قصة قصيرة : فاروق مصطفى رفعت

سمانيوز/خاص
استيقظت صباحًا لتبدأ حياتها اليومية و قد اُصيبت حبالُها الصوتيةُ ببُحة افقدتها حدة صوتها كان سببها رائحةُ الحبر المتصاعد من كومة أوراق الصحف المتكدسة منذ منتصفِ الليل في منزلها الذي يتكون من غُرفةٍ وحيدةٍ تنامُ فيها مع أطفالها كما جرت العادة
أخذت تتهيأُ للخروج في مشوارها اليومي وتُهيء ما يسُد رمق أولادها الصغار من الطعام ويعينهم على تحمُلِ ساعات غيابها إلى حينِ عودتها إلى المنزل ببعضٍ من الفُتات الذي لا يكادُ يكفيهم ليلةً واحدة…
غادرت منزِلها البسيط الكائِن في أحد الأحياء العشوائية التي بدأت تنهش ملامحِ المدينة شيئًا فشيئًا حاملةً بيديها حُزمة الصحف تلك و حقيبةٌ مهترئة بداخلها ثلاجةُ شايٍ تُعينها على الحفاظِ على توازن جسدها طيلةَ ساعات عملها في التخبط بين الشوارع والجلوس في الجولات لساعاتٍ طوليةٍ بحثًا عن اولئكَ القلة الذين تُحرك مشاعرهم الحُروف وبدواخلهم شغف للإطلاعِ على كل ما هو جديد فتِلك الصحف التي اعتادت على بيعها لا تخلو من نصوصٍ ومقالات أدبية كُتبها شباب وشابات لتُعبر عن ما تختلج صدورهم من آلامٍ وأوجاع وهموم استوطنت في أنفسهم
واصلت مسيرها في ذاتِ الطريق متأملة تلك الجروح النازفة التي تنهش ملامح المدينة منذ عقود ولا يراها سوى تلك القلة البسيطة التي أصابها ما أصاب المدينة من بؤسٍ ووجع، تراودها طيلة مسافة الطريق أحلامًا رسمتها في ايامِ الصبا فأضمحلت فجأة، وذكريات طفولة تجسدت في تلك الشوارع والطرقات فشاخت فجأة كما شاخت معها ملامحها التي تروي مأساة الوطن وأحزانه.
انتهى مسيرها عندما بلغت تلكَ البقعة من الشارع التي اتخذتها وطنًا آخر تقعُد فيه لساعات تبيع الصحف لكسب اللقمة الحلال بالقربِ من سورِ مدرستها القديمة الواقعة على أحد الشوارع الرئيسية متكئة على جذعِ شجرةٍ كانت وارفةُ الظلِ في احدِ الأيام فقُطِعت ولم يتبق منها سوى ذلكَ الجذع الخشبي يسند ظهر هذه المرأةُ الضعيفة بعد أن كان ظلها يحتضِنها ورفيقاتها أطفالًا بلباس المدرسة الابيض، وتجتمع في حناياه جميع احداث طفولتهم من شجارٍ وبكاء تارة وضحكات وصراخ تارةً أخرى.
اخذت ترتشفُ فنجانًا من الشاي تترقبُ المارةُ في الشارع بحثًا عن اول مشتري لعدد اليوم من الصحيفة وقعت عينيها على نافذة أحد فصولِ تلك المدرسة والتي لم تعُد سوى فتحة لدخول الطيور والحشرات إلى ذلك الفصل فأخذت تتأملُ ببصرِها سقفُ المدرسةِ المهترئ وجدران الفصل التي باتت خالية من اللوحات التعليمية والعباراتِ والحِكم فقط تملؤها التشققات و بضعة كلمات لا مغزى لها خطتها أناملُ اولئك المشردين الذين اتخذوا من هذه المدرسة مأوى لهم فقالت في نفسها والعبرات تكاد تخنقها:
ما بالُك أيتُها الجدران فجأةً اصبحتِ تتوجسين من البشر ؟
أي ذنب إقترفته حتى اصبحتُ كالغريبةُ امامك؟
ألا تذكُرين كم مرة ضممتُ وجهي إليكِ كي اُخفي دموعي تلك التي سالت عندما لم أتمكن من إحرازِ الترتيبِ الأول على الفصل تارة وتارة عندما اتسخت ملابسي فخشيتُ من العِقابِ في المنزل؟!
لربُما كُلَ ذلِك النسيان بفعِل عقوق بعض العصاة الذين احتضنتهم جدرانك قرابةَ العشر سنوات فكان جزائك منهم عندما تبوئوا المناصِبَ العليا أن أوصدوا ابوابِك وجعلوكِ أسيراةً لتلك الأسوارِ المهترئة كشخصٍ مصاب بأحد الأمراض المعدية حتى اُصبتي بفقدان الذاكِرةُ بعد ذلك
لا أعلمُ لماذا عندما انظُرُ إليك لأستعيد بعض ذكرياتي أشعرُ وكأن جميع احجار المبنى تتوجسُ من نظراتي الأليمة وكأن مرض التوحُد اصابُها وجعلها تتوجسُ من جميعِ البشر حتى البسطاء منهم …
أدارت رأسها عن مبنى المدرسة صوب تلك حزمة الصحف التي بين يديها بعد أن لم تجد إجابات لتساؤلاتها تلك،فأخذت تتصفح إحدى تلكَ الصُحُف فوقعت عينيها على خبرٍ في إحدى تلك الصفحات مفاده أن وزارة التربية والتعليم ابتدأت مشروعًا لتأهيلِ تلك المدرسة بعد أن تسلمت منحة من إحدى المنظمات قبل بضعةِ اشهر فأشَعل الخبرُ الحرقة بداخلها حتى كادت أن تُمزق حزمة الصُحف تلك من شدةِ غيضها وألمها فقالت في نفسها بألمٍ تبًا ليداي هاتان
ساعات احمِلُ بينهما هذا الزورِ ولا أعلم بذلك
كيفَ كنتُ لساعات وسيلة من وسائل كذبهم ونفاقهم دون أن أعلم وأضعت وقتي في البحث عن إجابات لتساؤلاتي تلك دون جدوى بينما الجوابُ الحقيقي يكمنُ بين هذه الحُزمةُ اللعينة ..
كذبةٌ وضعها اولئِك الذين لا يروق لهم مشهد الأطفال ذاهبون إلى المدرسة صباحًا بملابسهم البيضاء و تغيضهم أصواتهم البريئة وهي تصدح عبر مكبرات الصوت في ساحةِ المدرسة وقت الإذاعة الصباحية ويؤرقهم أن يشاهدوا طفلًا يتحدث بلباقة أو يناقش أمورٍ عن وضع البلد أو عن المستقبل القادم، أما عن تِلك الأموال فإنها ذهبت خصيصًا لنفقةِ تعليم أولادهم في المدارس الأهلية ومدارس الدول الاُخرى ..
فقُل لي بربِك كيف هو حال تِلك الحجارة الصماء عندما ترى كذبهم يؤتى به إلى قربها ولم يكتفوا بدمارها وخرابها !!
