«خُلُق رزين» خاطرة: هِند الأمير

سمانيوز/خاص
ذكر ابن الجوزي في كتابه (الأذكياء):
أن أبا الحسن بن عباس القاضي، قال:
رأيتُ صديقًا لي على قوارب الجسر ببغداد جالسًا بداخلها بيومٍ شديد الريح، وهو يكتب برقعةٍ، فقلتُ: ما بالك في هذا الموضع وهذا الوقت!
قال: أريد أن أزور على رجل مرتعش، ويدي لم تساعدني، فتعمّدت الجلوس ههنا ليتحرك القارب بالموج بهذه الريح، فيجيء خطي مرتعشًا فيشبه خطه!
إنّ مراعاة مشاعر الآخرين هبةٌ يختصّ الله بها الرحماء من عباده، وإنها لآيةٌ على نُبُلِ المرء وأصالة معدنه، فلا يقدر عليها إلَّا من امتلك الرّقة الكافية بقلبه، ولا يأبهُ لها إلَّا من دخلت بأعماقه معنى المروءة قولًا وفعلًا.
ويا لرّقة قلب هذا الرجل لينتبه على أدقِّ التفاصيل خشية أن تتملّك الغصّة في قلب غيره،
آهٍ، كم نحتاج لأمثاله في أيامنا هذه!
ترى من يُجرِّح صديقًا له بحجة السُّخرية وتضحيك الآخرين، ومن لا يهتم بالتفاخر بماله وجاهه أمام من لا مال له ولا جاه،.
ترى كم افتقرنا لهذا الخُلُق الرزين، والباب الحصين، الذي ترعرع عليه أجدادنا القدماء، وتوارثه آباؤنا النبلاء، وأهمله أحفادهم التعساء ”إلَّا من رحم الله”!
جميعنا بحاجة إلى الشخص الرحيم الذي يسعى لمراعاة ظروفنا ولا يعيّرنا بها، وأنَّ من امتلك هذه الصفة الحميدة، فقد امتلك قلوب الناس من المشرق إلى المغرب.
