أخبار دولية

من قطع الرأس إلى جزيرة “خارج”.. كيف أحكمت واشنطن الطوق حول النظام الإيراني؟

سمانيوز/ متابعات /كلادس صعب

ينتظر العالم حاليًا إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مصير مجتبى خامنئي، وريث المرشد علي خامنئي، بعد أن أُعلن مقتل الأخير في الساعات الأولى للضربة الأمريكية – الإسرائيلية المشتركة. لقد شكّل هذا الإعلان لحظة حاسمة وزلزالًا ضرب بنية الحكم الأيديولوجي في طهران، حيث لم تقتصر الضربة على تصفية رموز الصف الأول فحسب، بل طالت القيادات الميدانية المفصلية التي كانت تدير العمليات على الأرض.

 

وفي ظل هذا التصعيد، دخلت الميليشيات العراقية و”حزب الله” على خط المعركة بشكل مباشر انتقامًا لمقتل المرشد، إذ وسّعت الفصائل العراقية من نطاق استهدافاتها عبر تكثيف الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ الموجّهة نحو القواعد والمصالح الأمريكية، بينما واصل “حزب الله” إطلاق صليات صاروخية مكثفة من جنوب لبنان، والتي تتزامن في معظم الأحيان مع الضربات الصاروخية الإيرانية. غير أن هذا المشهد يخفي وراءه أزمة استنزاف حادة، إذ بات واضحًا أن طهران تتوخى الحذر الشديد في إطلاق دفعات صاروخية كبيرة، مفضّلة “تقنين” استخدام صواريخها المركزية خشية نفاد مخزونها الاستراتيجي بالكامل، لا سيما بعد أن استهلكت أجزاء واسعة من هذه الترسانة في استعراضات قوة تجاه دول الخليج.

 

لم تكن العملية العسكرية الأمريكية الجارية مجرد ضربات عشوائية، بل خطة استراتيجية مدروسة بعناية لإضعاف النظام وتفكيكه. في المرحلة الأولى، استهدفت ضربات دقيقة مراكز القيادة والسيطرة وقتل المسؤولين الكبار، مما أدى إلى خلق حالة من التخبط وعزل الإدارة المركزية. ثم انتقل الهجوم إلى مرحلة تجفيف الموارد العسكرية بتدمير مخازن الصواريخ الباليستية ومصانع المسيّرات، وصولًا إلى الضربة القاصمة مؤخرًا في جزيرة “خارج”، التي أكدت مصادر أمريكية أنها أصابت عشرات الأهداف العسكرية، والتي جاءت في إطار خطة لإضعاف القدرات الدفاعية الإيرانية، دون المساس المباشر بالبنية التحتية النفطية لتجنب أزمة طاقة عالمية.

 

وتعد الجزيرة الرئة الحقيقية للاقتصاد الإيراني، والمنفذ الذي يخرج عبره تسعون بالمئة من نفطها الخام إلى العالم، مما يعني أن واشنطن تضع يدها على العمود الفقري للصادرات النفطية الإيرانية لفرض واقع سياسي جديد.

 

استراتيجية الخنق

 

أما على الصعيد البحري، فتظهر فجوة كبيرة بين الرواية الإيرانية والواقع الميداني في مضيق “هرمز”. فبينما تحاول طهران التلويح بفرض سيطرتها عليه عبر التهديد بالألغام البحرية لإرهاب الملاحة الدولية، يرى الجانب الأمريكي أن هذه السيطرة غير مؤكدة ميدانيًا، وأنها أقرب إلى “حرب نفسية” تفتقر إلى القدرة الفعلية على الإغلاق. وفي هذا السياق، لا يكتفي الرئيس ترامب بالتقليل من جدية هذه التهديدات، بل يطالب الدول المستفيدة من نفط المنطقة بضرورة المشاركة الفاعلة في حماية الممر، في رسالة واضحة بأن العالم لن يرهن أمن طاقته لتهديدات نظام ألحقت به هزيمة عسكرية واسعة.

 

وبذلك تحولت أوراق الضغط التي كانت إيران تراهن عليها إلى عامل دفع لتدويل أمن المضيق، مما يضعف قدرتها على استخدامه كورقة مساومة دولية.

 

وفي سياق هذه المواجهة، لا بد من الإضاءة على موقف الرئيس ترامب في مقابلته مع شبكة “إن بي سي نيوز”، وتصريحاته للصحفيين حول نجاح الضربات في تدمير مرافق جزيرة “خارج”، معلنًا رفضه المبدئي لأي اتفاق مع طهران في الوقت الراهن لعدم ارتقاء الشروط لتطلعاته.

 

وأكد أن الولايات المتحدة ألحقت “هزيمة ساحقة بإيران عسكريًا واقتصاديًا”، مشددًا في رسالة مباشرة وجّهها عبر منصة “تروث سوشال” إلى قيادة الجيش الإيراني وقواته، بأن عليهم إلقاء السلاح. كما أكد أن “واشنطن أعادت بناء جيشها ليكون القوة الأكثر فتكًا وقوة وفعالية في العالم بفارق كبير”، مضيفًا أن “إيران لا تملك أي قدرة على الدفاع عن أي شيء ترغب الولايات المتحدة في مهاجمته، وأنه لا يوجد أي شيء يمكن للنظام فعله حيال ذلك”.

 

كما تعهد ترامب بأن إيران “لن تمتلك أبدًا سلاحًا نوويًا”، مطالبًا الدول المستفيدة من نفط المنطقة، كالصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا، بالمشاركة الفاعلة في حماية مضيق “هرمز”.

 

باختصار، نحن نشهد اليوم بداية النهاية لنموذج سياسي اعتمد طوال عقود على استنزاف الآخرين، ليجد نفسه اليوم يتعرض للاستنزاف حتى الرمق الأخير. إيران لا تواجه حربًا عسكرية فحسب، بل خطرًا وجوديًا يعيد ترتيب خريطة النفوذ في المنطقة، حيث ضاعت أحلام التوسع أمام قوة الضربات العسكرية. ومع غياب أي أفق للحل السياسي، يبدو أن انتهاء هذه الحرب مرهون بتأمين الممرات البحرية وتفكيك القوة العسكرية للنظام بشكل كامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى