«خارطة طريق غروندبرغ» المتاهات الأممية والرسائل المشفرة .. !

سمانيوز / تقرير
يرى مراقبون أن الأشقاء في المملكة العربية السعودية بعثوا رسائل أخوية مشفرة للجنوبيين وفتحوا الباب على مصراعيه أمامهم لفرض أمر واقع على الأرض أو اتخاذ تدابير ميدانية أو سياسية تلفت أنظار العالم إليهم أو القيام بخطوات يتمخض عنها استعادة الدولة الجنوبية وأن على قيادات الجنوب التقاط الفرصة وإعلان الإدارة الذاتية أو النزول إلى الشارع وتنظيم اعتصامات ومليونيات تطالب بطرد جميع القيادات اليمنية من الجنوب، وكذا فك ارتباط الجنوب عن اليمن، لاسيما المملكة ملزمة وملتزمة بالقرارات الدولية وغير مخولة بفصل الجنوب عن اليمن أو القيام بإجراءات تشطيرية قد ينتج عنها ردات فعل تؤثر على مكانتها الإقليمية والدولية حيث الأعداء والمتربصون للمملكة كثر .
فيما يرى آخرون أن الجبل تمخض وولد فأرًا، وأن جهود الجنوبيين ووقوفهم إلى جانب التحالف العربي ذهبت أدراج الرياح وأن جزاء (سنمار) هو الذي جناه الجنوبيين .
فيما يرى آخرون أن 9 سنوات حرب وحصار وأزمات كانت موجهة ضد الشعبين اليمني والجنوبي، وأنها مجرد عقاب تأديبي جماعي ، هكذا وصفها بعض الساسة، مؤكدين أن قواعد اللعبة قد تغيرت وأن الأوراق أيضاً تغيرت وسارت وفق معطيات المتمردين في صنعاء وأن الاستسلام لمليشيات الحوثي هو سيد الموقف، ويرى مراقبون أن مليشيات الحوثي لم تكتف باستسلام الخصم بل تطمح إلى المزيد من تقديم التنازلات لصالح إشباع رغبات قياداتها ، ففي كل مرة ترفع سقف مطالبها مستغلة انبطاح الشرعية اليمنية والتراخي الإقليمي والدولي. فيما توقع آخرون عودة الأوضاع إلى المربع الأول نظرا لسعي الأطراف اليمنية (الشرعية والحوثية) والى جانبها أطراف إقليمية لإذابة وتمييع القضية الجنوبية الأمر الذي قد يستفز الجنوبيين وتخرج الأوضاع عن السيطرة جنوبًا واحتمال دخول البلد في حرب أهلية.
وتساءل ناشطون متى تنقشع الغمامة متى يستلم الشعبان اليمني والجنوبي زمام الأمور بعيداً عن الهيمنة الإيرانية في اليمن، والجنوب؟
متى تستتب الأوضاع بعيدًا عن الإملاءات الخارجية؟ متى يعم الأمن والاستقرار متى يتم التعاطي مع مطالب شعب الجنوب، مؤكدين على أن القضية الجنوبية هي مفتاح الحل الوحيد. وأن الحاصل أشبه بالوضع القائم في لبنان وهو إفراغ البلد دستورياً من أسسه التشريعية والتنفيذية وحتى الرئاسية .
اليمن أمام معادلة مختلة :
في ذات السياق نشر الأستاذ المخضرم الدكتور ياسين سعيد نعمان مقالا تحت عنوان السلام حينما يكون خياراً وحيداً للخصم قال فيه :
اليمن أمام معادلة مختلة هي ما اسفرت عنه حرب استمرت تسع سنوات حتى الآن ، وتوقفت مرحلياً عند نقطة لا حرب ولا سلام.
وأردف قائلاً : عند هذه النقطة أعلن المبعوث الأممي منذ أيام توصُّل “طرفي المعادلة” إلى خارطة طريق تنهي الحرب ويتوصل اليمنيون بموجبها إلى الجلوس إلى مائدة المفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة . وقال : عقب هذا الإعلان بادرت الحكومة اليمنية إلى الترحيب به في خطوة قُرأت من قبل الكثيرين على أنها منسجمة مع سعيها الدائم والقوى السياسية المنضوية تحت لواء الدولة المقاوم للانقلاب الحوثي نحو السلام تبع ترحيب الحكومة اليمنية بإعلان المبعوث مباركة كثير من الدول العربية منها دول مجلس التعاون الخليجي والعراق والجامعة العربية وغيرها.
جماعة الحوثي صمتت كونها مشغولة بقضية أكبر :
وتابع د/ نعمان قائلاً : لكن جماعة الحوثي صمتت ثم راحت تسرب موقفها من الإعلان عبر تصريحات نسبت لبعض عناصر الجماعة من مواقع مختلفة تشير جميعها بأن ما جاء في هذا الاتفاق لا يعنيها في شيء وأنها في الوقت الحاضر مشغولة بقضية أهم وأكبر وزادت بعض التصريحات بالقول إن الإعلان هدفه تشتيت جهد الجبهات في الاستعدادات الجارية لاستكمال تحرير ما تبقى من اليمن.
وأضاف : صمت الحوثي جاء متوافقاً مع الصمت الإيراني، والصمت الإيراني يشكل هنا علة صمت الحوثي الذي كان قد وافق على الخارطة كما عرضها المبعوث على جماعة الحوثي .
وإذا كنا قد فهمنا حتى الآن سبب صمت الحوثي باعتباره تلبية لرغبة إيرانية، فإن السؤال هو لماذا ترفض إيران حتى اللحظة التعبير عن أي موقف تجاه هذا الإعلان وهي التي قالت كثير من وسائل الإعلام التي تدور في فلكها إنها أبلغت جماعة الحوثي أثناء زيارة وزير خارجيتها لسفارة الجماعة في طهران الشهر الماضي موقفها الإيجابي من جهود المبعوث الأممي بخصوص عملية السلام في اليمن ، وتبع ذلك لقاء سعودي، إيراني، صيني تم فيه استعراض مجمل التطورات الناشئة عن اتفاق التعاون بين البلدين الجارين السعودي والإيراني .
مصلحة إيران فوق مصلحة الشعب اليمني :
وقال د/نعمان : تدرك إيران جيداً أن انخراط جماعة الحوثي في عملية السلام قبل أن تستكمل هي بناء محددات أمنها القومي في ظل الظروف المتحركة القائمة والمنشئة لاحتمالات توسيع الحرب في المنطقة سيرتب خيارات تتناقض كلياً أو جزئياً مع ترتيباتها القائمة على تشغيل وكلائها وخاصة الحوثيين في معركة خلط الأوراق حيث يجري تدمير غزة كجزء من حماية النظام الإيراني عبر تفريغ شحنات المواجهة المخططة مع الخارج والداخل على السواء وهذه المعركة من وجهة نظر أمن إيران القومي مقدمة على أي توافقات سلام وطنية سواء في اليمن أو في غيرها ولا غرابة في هذا السياق أن نسمع أحد قادة الحرس الثوري الإيراني يقول بأن (طوفان الأقصى) هي عملية انتقام لمقتل سليماني ، الأمر الذي ردت عليه حماس بالتكذيب نجد إيران إذاً ترهن عملية السلام في اليمن لأولويات أمنها القومي، وباعتبار أن الحوثي يمثل عنصراً مهماً في منظومة أمنها القومي على الأقل من الناحية التي يصبح فيها صوتاً يعلن مسؤوليته عن الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي تنطلق من صنعاء نحو البحر الأحمر لإغلاقه كممر ملاحي دولي هام أو نحو إسرائيل كما يقول الحوثي في بياناته في حين أن الجميع يتساءل أنه إذا كان الهدف فعلاً نصرة غزة فلماذا تطلق الصواريخ والمسيرات الإيرانية من صنعاء التي تبعد عن الهدف أكثر من 2500 كم في حين أنها لا تبعد أكثر من 1200 كم عن إيران وأقل من ذلك بكثير عن وكلاء آخرين . الجواب هو أن إطلاق الصواريخ من اليمن لا يعني أكثر من إعلان مشاركة فارغة المحتوى ولا ترتب أي مواجهات عسكرية مع العدو في حين أنها تحدث أثراً نفسياً عند عامة الناس يمجد الفعل بغض النظر عن تأثيره في معادلة الصراع، أما اعتراض السفن وتفجيرها في البحر الأحمر فنتائجها كارثية على السيادة البحرية للدول المطلة على البحر الأحمر، وهذا ما كانت تخطط له إيران من زمن طويل وكلنا يتذكر كيف سارع الحوثيون فور استيلائهم على صنعاء الذهاب فوراً إلى الحديدة ووضع يدهم عليها وكيف أنهم عام 2018م لجأوا إلى الاستغاثة والتهديد بتفجير ميناء الحديدة وطالبوا بوقف فوري للحرب والموافقة على اتفاق استوكهولم الذي يقضي بانسحابهم من الحديدة بدون شروط حينما كان الميناء على وشك السقوط بيد الحكومة الشرعية .
ولنتذكر معاً في هذا السياق التحذير الذي أصدره وزير الدفاع الإيراني محمد رضا اشتياني للولايات المتحدة الأمريكية يوم 14 ديسمبر 2023 من أن أمريكا ستواجه مشاكل استثنائية إذا ما قامت بتشكيل قوة حماية دولية للملاحة في البحر الأحمر ، وقال إنه لا يمكن لأحد التحرك في منطقة اليد العليا فيها لإيران.
السلام بيد إيران :
وقال د/نعمان يتضح من كل هذا أن السلام في اليمن عملية تتداخل مع ما بات يفرضه الأمن القومي الإيراني من ثوابت ومتغيرات لن يسمح لها كما يقول وزير دفاعها أن تغير واقع منطقة اليد العليا فيها لإيران وتغطي البحر الأحمر وخليج عدن .
وإذا كان الأمر كذلك فهل لنا أن نتحدث بعد اليوم عن سلام يتم فيه تجاهل هذا التشابك بينه وبين الأمن القومي الإيراني، والذي لم يعد في حاجة إلى مزيد من الشرح والاثبات بل إلى التفكير في كيفية مواجهته.
لقد أمضينا سنينا في الشرح في حين تولت إيران ووكيلها الحوثي في اليمن إثبات هذه الحقيقة بصورة سريالية لم تخطر على بال ، وكأننا في مسرح للعرائس (الدميات) لا يلبث فيه محرك العرائس أن يظهر من خلف الستارة مستعرضاً مهاراته غير مدرك أن ظهوره لا يقدم أي دليل على أن المشاهد كان يغفل وجوده .
لكن إثبات حقيقة هذا التشابك بين السلام في اليمن ومتطلبات الأمن القومي الإيراني من قبل إيران والحوثي يعني فيما يعنيه أن المسألة باتت معطى يجب عدم إغفاله عند أي ترتيبات سياسية وإلا فإن الحرب التي تفرون منها لن تنتهي إلى السلام الذي تتحدثون عنه. وكأنهم يقولون إن السلام ليس من الرغائب التي تأتي حسب الطلب ، لكنه من نتائج تلك الحروب التي تجعله خياراً وحيداً للخصم.
إخفاق الأمم المتحدة على مدى تاريخها :
من جهته قال الدكتور حسين لقور بن عيدان في منشور إعلامي منسوبا له : علّمنا تاريخ الصراعات المسلحة فى العالم إخفاق الأمم المتحدة على مدى تاريخها وفشلها في تقديم حلول عادلة في معظمها بل أصبحت شريكًا في إطالتها ببساطة لأن مبعوثيها لا يبحثون عن إنجاز حلول جذرية وانتقال سياسي، لوقف الحروب والتوترات، أو حتى التوصل إلى صيغ وتفاهمات تقود للانتقال من حالة الصراع المسلح إلى تسوية النزاعات القائمة في معظم اعمالهم إنما تقديم تسويات مشوهة، وبالتالي يبقى الفشل ملازما لمعظم المبادرات والمقترحات التي يقدمها مبعوثو الأمم المتّحدة.
وأضاف د لقور : ولأن المجلس الانتقالي الجنوبي سياسيا غير ملزم بما جاء في المبادرة وليس عليه الاعتراض أو الموافقة عليها، بل تركها لنفس المصير الذي آلت إليه غيرها من المبادرات التي قدمت خلال سنوات الحرب، وبالتالي لا يتحمل أي مسؤولية تجاهها أو وزر فشلها بسبب ما يحيط بها من عوامل غير مؤاتية لنجاحها.
صراع 9 سنوات مبهم :
وتابع د/لقور قائلاً : لقد جاء مقترح مبادرة تسوية المبعوث الأممي لليمن لتلبية حاجة خروج الأطراف الإقليمية من الصراع، ولم تلامس جوهر الصراع في الداخل فبعد ما يقرب من 9 سنوات من الحرب في اليمن لم يصل المبعوثون الأمميون والكثير من لجان الخبراء والمراقبين وحتى المحللين السياسيين إلى تحديد ماهية الصراع وأسبابه التاريخية إلا بتحديد صراع الأطراف الإقليمية فيه وهذا ما جعل الوصول إلى تقديم حلول جدية للصراع أمراً صعبا أو بعيد المنال.
وقال :
كانت الحرب في هذا الإقليم تعكس ثلاثة صراعات مرتبطة مع بعضها وهي كالتالي :
أولا .. صراع قوى النفوذ اليمنية الحاكمة تاريخيا في صنعاء فيما بينها على السيطرة على حكم صنعاء.
ثانياً .. صراع وطني بين الجنوب واليمن لم يكن فيه غزو اليمن للجنوب في ١٩٩٤م إلا مظهرا حديثا لصراع تاريخي.
ثالثاً .. صراع إقليمي بين الدول العربية ممثلة بالعربية السعودية وإيران التي عملت وتعمل على تقويض أمن المنطقة.
وتابع د/ لقور قائلاً :
اليوم بعد اتفاق بكين والمصالحة السعودية الإيرانية واتفاقهما على فض الاشتباكات بينهما في أكثر من موقعة يبدو أن اليمن هي أول اختبار للاتفاق بينهما.
بهذا ستنتقل حدة الصراع في اليمن والجنوب إلى صراع جنوبي يمني حتمي، أما ما تبقى من الشرعية فمن السهل تسييلها وتسريحها بعد أن عجزت عن الفوز بأي مكسب على الأرض منذ هروبها من صنعاء.
لذلك يبقى المجلس الانتقالي الجنوبي القوة الوحيدة المناهضة لأيرنة جنوب الجزيرة العربية ومنعها إكمال طوقها على دول المنطقة مهما حاول البعض النيل منه.
ختامًا .. يقولون إن إرادة الشعوب لاتقهر والحاصل أمامنا هو إرادة الشعب اليمني في صنعاء الذي يطمع في خيرات الجنوب عبر تشبثه بجثمان الوحدة اليمنية الميتة، وفي المقابل إرادة شعب الجنوب الذي يطمح في استعادة دولته، أرضه، وثرواته. ولايطمع في حقوق الآخرين وعليه نقول إن الحق أقوى وإن شعب الجنوب هو صاحب الحق ، وإنه على حق وإنه الأقوى والنصر حليفه لامحالة.
