استنزاف لاقتصاد الأسرة.. «القات» كارثة تهدد مستقبل الأجيال في الجنوب

سمانيوز-شقائق/ تقرير
البعض يتعاطى القات بحثاً عن الكيف والنشوة وتعديل المزاج، والبعض الآخر يتعاطاه هرباً من الواقع المؤلم، قاسمهما المشترك الأموال الطائلة التي تنفق يومياً أضعاف ما يتم إنفاقه على مصاريف الأسرة. تضيع ساعات غير محسوسة في مضغه، فلا صاحب النشوة بلغ مناه ولا الهارب من واقعه المؤلم نفذ بجلده.. مجرد نزوات عابرة وإيهام النفس والتمني بأن يأتي الغد الأفضل من خلف الآفاق البعيدة. وهكذا دواليك يضيع الوقت والمال، ومعه تطير أحلام اليقظة وتنهد الصحة تدريجياً دون تحقيق أي مكاسب.
يرغب البعض في التخلص من القات، لكن الأمر يتطلب عزيمة قوية، لاسيما وأن العادة متأصلة في المجتمع ومرتبطة بجلسات ودواوين ورفاق يصعب تفكيكها في عشية وضحاها، فبعد كل يوم من التعاطي يعتزم البعص ألا يعود له، لكن ما أن يحل وقت ظهيرة اليوم التالي حتى يندفع لا شعورياً لشراء القات وتعاطيه مجدداً. في المقابل يشعر بالضجر والضيق إن فشل في إيجاد المال لشراء القات.
إنه إدمان من نوع خاص. وقد تنفق عائلات فقيرة نصف دخلها لشراء القات. وعانت ولاتزال تعاني بعض الأسر تبعاته الكارثية بسبب إدمان وانحراف الشباب.
ويثير القات جدلاً مستمراً في أوساط المجتمع حول ما إذا كان مخدراً أم لا. فمنظمة الصحة العالمية أدرجته عام 1973 ضمن قائمة المواد المخدرة، بعدما أثبتت أبحاثها على مدى ست سنوات احتواء نبتة القات على مادة تسمى (كاثين) (Cathine)، المعروفة أيضاً بـ(نورسيدوفيدرين). لذا فهو مخدر ولم تنفق الأموال لأجله من فراغ.
وعلى إثر ذلك، فإن كثيراً من حكومات العالم تعاقب متعاطيه وتمنع وجوده على أراضيها حفاظاً على شعوبها.
– آفة ارتبطت بنمط الحياة اليومي:
لا يقتصر الحديث عن هذه الشجرة على استيلائها على الأراضي المخصصة لزراعة البُن وأشجار الفواكه والخضروات، بل إنه يمتد ليشمل المكانة التي احتلها في أوساط الأُسر، وباتت جزءاً شبه أساسي من حياة الأُسر اليومية، ارتبطت بنمط حياتها على المستوى النفسي والاقتصادي والجلسات والتواصل الاجتماعي.
وتمثل زراعة وتعاطي القات خطراً آنياً ومستقبلياً يجب تداركه، والعمل على التخفيف من آثاره الصحية والاقتصادية على الفرد والمجتمع والأسرة، بالتوعية المجتمعية من مخاطره مع التركيز على فئة الأطفال والشباب، لا سيما أن أعداد متعاطيي هذا الشجرة يزداد سنوياً، بحيث لا تجد أسرة لا يوجد فيها من لا يخزن. ورافق ذلك حدوث مشاكل أسرية وصل بعضها إلى الطلاق والتفكك الأسري، فيما يرتكب بعض الشباب حماقات وعنف ضد أسرته لكي يحصل على أموال لشراء القات. والبعض أضاف إلى تعاطي القات تناول بعض الحبوب المخدرة لزيادة النشوة والانتعاش والشعور بالسعادة، غير مبالٍ بأضرارها الكارثية على صحته. والمصيبة الأكبر أن أطفالاً في سن الزهور أدمنوا عليها في سن مبكرة، وأصبحوا عرضة للاستغلال والانحراف.
– أضرار لا تعد ولا تحصى:
أثبتت الدراسات أن تعاطي القات يسبب کثيراً من الأمراض في جسم الإنسان، منها التهاب الكلى والكبد وحرقان المعدة والإمساك وتصلب الشرايين وخفقان ورجفة القلب وجفاف الجسم والأرق وفرط النشاط السلبي وغيره، يضاف إلى ذلك أضرارها الاجتماعية في تفکك الأسر وعزوف الأبناء عن مواصلة التعليم، وتفشي الفقر وتبعاته من السرقة والانحراف، وغيرها من الأضرار الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب الأضرار الاقتصادية على البلد ککل، من خلال استنزاف المياه الجوفية ومياه الأمطار وتحويلها لزراعة القات، مما سبب في استهلاك هذه المياه وحرمان المحاصيل النقدية الأخرى من الاستفادة من المياه.
– نظام حريص على شعبه:
إن مشاكل القات كثيرة لا تعد ولا تحصى، ولقد استوعبت السلطة الحاكمة في الجنوب إبان جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، قبل الزج بها في وحدة مشؤومة مع الجمهورية العربية اليمنية في العام 1990م، مخاطر هذه الشجرة وأضرارها على الفرد والمجتمع والدولة، وقامت بتنظيم وتقنين تعاطيها، وسمحت بها يومي الخميس والجمعة وفي الأعياد فقط. وفي المقابل قامت بتوفير البدائل من دور سينما ونوادٍ رياضية ومتنفسات، وتنظيم أنشطة رياضية مختلفة وغيرها، وانعكس ذلك إيجاباً على المواطن الذي امتنع عن تلك الشجرة امتثالاً للنظام والقانون، وانشغل بأمور تعود بالنفع والفائدة على أسرته ومجتمعه ووطنه. وبذلك حافظت الدولة على شعبها وعلى مستقبل الأجيال.
لذا، يتعين على الحكومات المتعاقبة على الجنوب اتخاذ خطوات جريئة شجاعة، تتمثل في تنظيم تعاطي شجرة القات، واقتصار ذلك على يومي الخميس والجمعة والعطل الرسمية والأعياد، لتعزيز وتقوية اقتصاد الأسرة وضمان تماسكها، ومنعاً لانتشار الانحراف والرذيلة في أوساط الشباب، وضمان مستقبل أفضل لأجيال الحاضر والمستقبل.
