تقارير

نادرة عبدالقدوس : أُنصفت المرأة وتقلدت العديد من المناصب السيادية بفترة السبعينات في الجنوب، لكن الحال تبدل بتغيُر النظام السياسي عام 90.

[su_label type=”info”] سما نيوز/خاص[/su_label][su_spacer size=”10″] [su_label type=”info”]حوار / مرام نوشاد[/su_label][su_spacer size=”10″] إن قضية تمكين المرأة في مواقع صنع القرار وتعزيز مشاركتها الفعالة بالعمل في المناصب السيادية مازالت منقوصة بشكل ملحوظ، ولم تحضى بإهتمام كبير، وذلك بسبب الواقع الإجتماعي السائد ورسوخ النظرة الدونية للمرأة. مشاركة المرأة في الحياة السيادية ومواقع صنع القرار تعتبر مؤشراً ومقياساً على تقدم وتحضر المجتمع، وتواجد المرأة في مواقع صنع القرار ظاهرة عالمية الآن حيث أن نسبة تواجد النساء في البرلمانات العالمية تصل إلى ما يقارب 15.2% من الأعضاء وأكبر حصة هي في الدول الإسكندنافية، أما في الدول العربية فالعدد قليل جدًا، وذلك بسبب تردي وضع المرأة فيها وسعي الكثير من القوى إلى تهميش دورها إذ تصل إلى 5,6 فقط!.
 
وبصدد سيادة المفاهيم البالية أو المعادية لحقوق المرأة في المجتمع، وعدم تقبل المجتمع لتسيد المرأة في مواقع صنع القرار.. أجرينا حوار خاص مع إحدى الهامات الإعلامية القديرة، الصحفية والكاتبة “نادرة عبدالقدوس”، والتي صدر لها قراراً وزارياً كأول إمرأة تتقلد منصب رئاسة وتحرير مؤسسة 14 أكتوبر للطباعة والنشر، أعرق الصحف في الجنوب والوطن ككل، كان حوار مفعماً بالخبرة والوضوح، إليكم مفاده..
 

  • برأيكم وكإحدى القيادات الإعلامية الهامة في المجتمع، ماهي الأسباب التي تحد من مشاركة المرأة حتى الآن في مواقع صنع القرار، بالرغم من تفوقها أحيانًا على شقيقتها الرجل في بعض المجالات؟

 
تبوأت المرأة اليمنية مراكز قيادية في عدداً من المؤسسات بعد الإستقلال الوطني بجنوب اليمن، ولعلنا نتذكر تلك الأسماء النسائية الناصعة التي تم تعيينها في أول مجلس شعب (برلمان) في اليمن والخليج والجزيرة العربية، كان ذلك عام 1970م.
كُن عشر من أبرز العناصر النسائية المناضلة في الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن، وقد خُضن تحت قبة البرلمان الفتي تجربة جديدة، ولكنها كانت مفعمة بالفعل الوطني والدروس القيّمة على طريق بناء الحياة الديمقراطية التي عاشها جنوب اليمن عقوداً، إلا أن العراقيل التي وقفت أمام شعبه كانت كفيلة بأن تفضي إلى ما نحن عليه اليوم.
 
ومنذ مستهل السبعينيات شهد الجنوب تطوراً جنينياً في الجانب الإقتصادي والإجتماعي والثقافي، وكان النظام السياسي آنذاك داعماً للفكر التقدمي الذي ساوى بين الناس، محطماً الحواجز التي تحول دون إستنهاض الهمم وشحذها لتحقيق العدالة الإجتماعية والقضاء على الفقر والجهل والمرض، وكان للمرأة نصيب وافر من إهتمام الدولة، الراعية؛ فسنت القوانين التي عُدت من القوانين المتقدمة حينها في الوطن العربي، ولم تُنقص من حقوق المرأة، بل منحتها كل الحقوق الإنسانية أسوة بالرجل، ولعل قانوني العمل والأسرة من أكثر القوانين التي أنتصرت فيهما المرأة على الجهل والتخلف، كما فُتحت أبواب العمل في كثير من المجالات الخدمية والإنتاجية وقد سبقت المرأة اليمنية في الجنوب أختها المرأة في كثير من البلدان العربية بالإنخراط في ميادين العمل المختلفة، بل أن جنوب اليمن سبق دولاً عربية كبيرة، كـ مصر مثلاً والمغرب العربي، في إرتقاء المرأة أعلى المناصب في السلك القضائي، إذ وصل عدد القاضيات حتى أواخر ثمانينيات القرن الماضي إلى أكثر من (13) قاضية وكانت أُولاهن عام 1970م القاضية “حميدة زكريا” خريجة جامعة الأزهر في مصر العربية.
 
أعتلت المرأة في فترة السبعينيات أيضاً، مناصب قيادية في عدد من المعامل والورش الصناعية.. كما لا ننسى أن أول نائب وزير في وزارة الثقافة كانت المناضلة “عايدة علي سعيد” وذلك في بداية الثمانينيات حتى منتصفها، لم تكن هناك أية عراقيل أمام المرأة في الحصول على المواقع القيادية في بعض المرافق الحكومية؛ فكانت تتدرج في وظيفتها كما هو الحال بالنسبة للرجل الموظف الحكومي، لتصل إلى القيادة، إلا أن الحال تبدل في مستهل التسعينيات وخاصةً بعد تغيير النظام السياسي لتلغى بعض القوانين المتقدمة وتستبدل بقوانين تحط من شأن المرأة ومكانتها في المجتمع، وكان قانون الأسرة أول القوانين المغضوب عليها.
 

  • ظهور وتصاعد الحركات الإسلامية الإرهابية المناهضة لحقوق المرأة، والثقافة الذكورية المعقدة لدى البعض.. برأيكم هل هي وراء تفضيل السيدات للقبوع في المنزل والتنازل عن طموحاتهن؟

 
أجزم أن النظام السياسي في أي بلد كان هو الحاضن لكل التفاعلات الجمعية فيه، وهو الأرضية التي يقف عليها الشعب بكل فئاته وأطيافه ومعتقداته، وقد أستشهدت -آنفاً- ببعض الصور التي تشرح الصدر وتبهج الروح وتمنح المرء زخماً للإندفاع نحو تحقيق أحلامه وطموحاته، هكذا كان الإنسان يعيش في جنوب اليمن منذ الإستقلال حتى ولوج التسعينيات من القرن الماضي، وكان المواطن في هذه البلاد يتحمل قسوة العيش وبساطة الحياة، إيماناً بغد أفضل للأجيال القادمة وكان لها ذلك، فقد تحققت الكثير من الإنجازات والمكاسب التي قد أتت أكلها فيما بعد، ولقد قام النظام السياسي بعد الوحدة في هدم ما بناه الشعب في جنوب اليمن، خلال تاريخه الطويل الممتد لقرون عدة، وأمتدت معاول الهدم لتنال الحجر والبشر وطالت الأخلاق والفكر المعتدل، فأختلط الحابل بالنابل لتعم الفوضى التي ألقت ظلالها على جوانب الحياة المختلفة وبالتالي على الإنسان وربما كانت المرأة الأكثر تأثراً بها، وما الحرب الأخيرة التي نعيش تداعياتها في البلاد إلا نتيجة حتمية لنظام سياسي مهترئ، كانت أولى أركانه التسبيح للحاكم وتأليهه وثانيها إستغلال الدين كواجهة له من أجل تحقيق مكاسب دنيوية، وثالثها إلغاء سيادة القانون والإحتكام للعرف القبلي والجهوي المقيت.
 

  • برأيكم الصحافة و وسائل الإعلام المختلفة ساهمت بنشر ثقافة تسيد الرجل في مواقع صنع القرار، أم ساعدت في تسليط الضوء على حقوق المرأة والدفع بها للمشاركة الفعالة في المجتمع؟

 
تأثر الإعلام بما حدث في البلاد بعد الوحدة غير المباركة، والتي ماتت في مهدها وما زال يوجد من يحاول إنعاشها، دون فائدة مرجوة لإنتفاء أسباب بقائها، ولكل نظام سياسي إعلامه الموجه؛ ففي جنوب اليمن كان الإعلام الوطني يدفع فئات الشعب المختلفة من خلال برامجه السياسية والإجتماعية إلى تعزيز الحس الوطني وتطوير الفكر الإنساني، لذلك كانت الروح الثورية المتأججة هي التي تقود عملية البناء والتعمير في البلاد وكان بناء الإنسان منذ النشء من أولوية الإهتمامات، كما أسهم الإعلام في الإرتقاء من شأن المرأة وتحريرها إقتصادياً، لكن دور الإعلام الرسمي ما بعد عام 1994م تحول إلى منبر للحاكم وكثر فيه دهاليزه المهرطقون والمرجفون وحاملو المباخر؛ فضاعت قواعد المهنة وأخلاقياتها وبهث دورها الذي يفترض أن تلعبه لتقويم الخلل وإعادة الأمور إلى نصابها ومن ثم ضاعت حقوق المرأة والطفل.. الإنسان عموماً على سبيل المثال لا الحصر، عندما تم إلغاء قانون الأسرة بمشروع قانون الأحوال الشخصية المخجل، لم تعترض أية صحيفة حكومية في البلاد على ذلك الفعل المشين، بل أنبرى عدداً من المنافقين مدحاً في المشروع الجديد، ضارباً بعرض الحائط حق المرأة في الحياة الكريمة، وكان القانون متوشحاً بالستار الديني، مستبطناً عدائية صارخة للأنثى، ككائن حي خلقه الله تعالى من نفس واحدة، بل إن المولى رفع من شأنها وقدرها أيم تقدير.
وعلى الرغم من وجود الإعلام الحر والمستقل، إلا أنه لم يحقق مكاسب مشهودة في قضية المرأة اليمنية التي فقدت تدريجياً كل مقومات تقدمها، وشهدت المرأة إنحساراً في مجالات عدة، أبرزها الفن والأدب حيث شهدت ساحة الأدب إنكفاءً لعدداً كبيراً من الأقلام النسائية الإبداعية وأختفت عن الأنظار؛ فأصبحت نسياً منسياً، خاصة في جنوب اليمن الذي كان زاخراً بالفرق الفنية من الجنسين والعدد الكبير من الأديبات والصحفيات والإعلاميات البارزات، كما لم تمنح الفرصة للمرأة بالإرتقاء إلى مواقع صنع القرار كما يجب؛ فكانت إمرأة واحدة عضواً في البرلمان ومثلها وكيل مساعد في وزارة الإعلام، أما في سلك القضاء فقد حُرّم على المرأة الولوج فيه إلا في حدود المحاماة وبقي العدد (13) كما هو من القاضيات الجنوبيات لم يزد ولم ينقص، بل تم الإجحاف في حقهن بعد تحويل بعضهن إلى قاضيات في الأحوال الشخصية ومنعهن من مزاولة عملهن في المباحث الجنائية.
 

  • كيف تقيمين دور المرأة في الإعلام بوقتنا الراهن.. وهل ما زال الإعلام يشكل السلطة الرابعة في البلد؟

 
لم يكن الإعلام في اليمن شماله أو جنوبه، يمثل السلطة الرابعة في البلاد، ولو كان الإعلام بالفعل، السلطة الرابعة لكان الوضع غير ما نحن عليه اليوم.
أما دور المرأة في الإعلام فهو لم يرتقِ عما كان في السابق، ولعل المرأة في الإعلام -سابقاً- بجنوب اليمن كانت تبذل جهداً كبيراً ومضنياً من أجل تطوير قدراتها وملكاتها الإبداعية، وأقولها صراحة، كانت المرأة الصحفية في الجنوب والتي تتواجد في صحيفة 14 أكتوبر، لأنها الصحيفة الحكومية الوحيدة في الجنوب، كانت لا تتوقف عن تقديم كل جديد في إطار المهنة وتحرص على أن تكون الأفضل في عملها ومن يرجع إلى أعداد الصحيفة منذ عام 1974م حتى عام 2016م، سيجد الفارق بين عدد الكتاب من الجنسين، ولكن الذي يحظى بالمناصب القيادية هو الرجل دائماً، حتى أضحت قاعدة أساسية ومشهد طبيعي. أما المرأة الصحفية فلم تتجاوز منصب رئيسة قسم أو مديرة إدارة فقط، وكان المشهد شاذاً لم يتقبله الرجل قبل المرأة في مؤسسة صحفية عندما صدر قرار وزاري جريء في نهاية يناير عام 2015م بتكليفي رئاسة المؤسسة ورئاسة تحرير الصحيفة، لذلك بدأت العراقيل تحاك وتنسج خيوطها، كرد فعل من البعض الذي لم يؤمن بقيادة المرأة حتى تقديم الإستقالة من المنصب في أكتوبر 2016م، ليس ضعفاً أو إنهزاماً ولكن لأن الحصار كان محكماً، حيث تم تعطيل المطابع بفعل فاعل لمدة تزيد عن الخمسة أشهر ولم يحرك أحد ساكناً، سواء من السلطة المحلية أو الحكومة أو حتى رئاسة الجمهورية المعنية الأولى بهذه القضية، كون الصحيفة الناطق الرسمي الوحيد لها، وكأن الكل متفق على إزاحة العنصر النسائي من قيادة المؤسسة والصحيفة، رغم ما بذل من جهد في إعادة تأهيل المبنى بعد تحرير عدن من مليشيا الحوثيين والبدء في إصدار الصحيفة.
 

  • كونكِ أول إمرأة تقلدت منصب رئيسة تحرير صحيفة 14 أكتوبر، أعرق صحف الوطن الجريح.. ماهي الرسالة أو النصيحة التي تودِ أن تُقديمها للمرأة بعد خبرة طويلة ومثمرة في بلاط صاحبة الجلالة؟

 
بعد مشوار طويل في بلاط صاحبة الجلالة منذ عام 1974م حتى 2016م سيظل التفاؤل نبراسي في الحياة والإيمان بأن الغد القادم سيكون أفضل للأجيال القادمة.
الحياة بكل مراحلها علمتنا أن لا مكان لليأس وأن النور سيخترق أستار الظلام؛ فالشر إلى زوال والخير باقٍ في الأرض إلى أن يرثها الخالق عز وجل، هذه هي نصيحتي لكل فتاة في بداية طريقها في مراحل التعليم أو العمل، بأن تقف بصلابة أمام الرياح العاتية وتتحدى الصعاب وتبذل قصارى جهدها من أجل تحقيق طموحاتها في الحياة، وألا تنحني لأي إعصار حتى وإن تخلل بعض الوهن سراديب روحها، فلتنعشها بالتفاؤل ووميض الإيمان بالله، هما الركيزتان الأساسيتان لصنع حياتها كيفما تشاء.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى