على غِرار إفشاله القرارات السيادية لمركزي عدن.. ” هرطقات الحوثي” هل تنجح في إفشال الإصلاحات الاقتصادية والنقدية بالجنوب؟

سمانيوز / تقرير
إدانات واستنكار وشجب المجتمع الدولي للعملة المحلية المعدنية والورقية، التي صكها وطبعها البنك المركزي بالعاصمة اليمنية صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، في يوليو 2025م، زادتها قوة وثباتاً، فيما وقوف المجتمع الدولي إلى جانب الريال اليمني في عدن زاده هرولة و انهياراً.. لماذا؟!
لم تفلح الإدانات الدولية والإقليمية في إيقاف التعامل بالعملات النقدية (الورقية والمعدنية)، التي أقدمت جماعة الحوثي في صنعاء على طباعتها مؤخراً وطرحها في الأسواق بتاريخ 15 يوليو 2025م.
اقتصاديون أشاروا إلى أن تلك الخطوة الجريئة تتجاوز هدف إيجاد حل لإشكالية العملة الورقية التالفة لدى جماعة الحوثي، إلى إيجاد سيولة نقدية في ظل تهالك المخزون النقدي للجماعة من العملة النقدية الورقية، جراء قدم تاريخ إصدارها وتداولها لما يتراوح بين 28 عاماً و 17 عاماً.
مؤكدين أن البنك المركزي في صنعاء ما كان ليجرؤ على إصدار عملة أو طبعات نقدية ورقية جديدة من العملة، لولا أن كل ما يقوم به هو سحب عملة نقدية تالفة صادرة سابقاً بصورة قانونية، واستبدالها بطبعة جديدة للمبلغ نفسه منعاً لحدوث تضخم وتأثر في قيمة العملة بمناطق سيطرة جماعة الحوثي.
وألقى خبراء اقتصاد باللائمة على البنك المركزي اليمني بالعاصمة عدن، لعدم قيامه بهكذا عملية استباقية وفقاً للدورة الزمنية الافتراضية لتداول العملة، وذلك لقطع الطريق على بنك صنعاء. وبدلاً من ذلك، ارتكب مركزي عدن حماقة كبيرة بإصداره طبعات نقدية جديدة بلا غطاء نقدي أجنبي، وبمبلغ كارثي تجاوز 8 ترليونات ريال يمني، بدلاً من سحب التالفة واستبدالها، مما تسبب بإغراق السوق المحلية بالعملة، الأمر الذي شجع المضاربين على التلاعب بها.
مركزي عدن اعتبر عملة الحوثي مزورة وأصدر بيان شجب وإدانة:
وصف البنك المركزي بالعاصمة عدن إصدار البنك المركزي في صنعاء اليمنية عملة محلية معدنية وورقية، وإنزالها للتداول في مناطق سيطرة الحوثيين بـ(المدمر للاقتصاد الوطني)، معتبراً تلك العملة مزورة، مؤكداً أن هذا التصرف غير مسؤول، ويأتي في سياق استمرار الحرب الاقتصادية على الشعب اليمني. وحذر بنك عدن جميع المواطنين وفروع البنوك وشركات الصرافة، وقطاع الأعمال في مناطق سيطرة الحوثيين، والتي تمارس الأنشطة المستثناة والمسموح بها في إطار العقوبات الدولية، من التعامل بعملة الحوثيين الصادرة مؤخراً.
الرباعية الدولية والمجتمع الدولي والإقليمي، من جانبهم، أدانوا واستنكروا تصرفات الحوثيين تلك، ولكن جميع البيانات والإدانات تبخرت، فيما قرارات الحوثي باتت نافذة حتى اللحظة. كما لم تفلح الضغوط الاقتصادية الأمريكية والدولية في إضعاف قيمة عملة الحوثي الجديدة، بل ظلت ثابتة ولم يتزحزح منها فلس واحد.
تساؤلات:
في المقابل، تساءل اقتصاديون: كيف سيكون الحال لو أن الشرعية اليمنية في عدن أقدمت على طباعة أوراق نقدية جديدة أو بديلة، في ظل حاجتها الماسة إلى سيولة نقدية محلية في الوقت الراهن لدفع رواتب الموظفين؟ بالطبع لن تحدث أية إدانات دولية، ولكن سيحدث انهيار تاريخي للعملة.. مؤكدين أن وقوف المجتمع الدولي إلى جانب العملة المحلية، الريال اليمني الطبعة الجديدة المتداولة في الجنوب، لم يشفع لها، لم يُعِد لها الحياة، ولم يفلح في إيقاف هرولتها وانهيارها التاريخي غير المسبوق.
قرارات مركزي عدن السيادية أفشلها الحوثي:
رغم اعتبارها سيادية لا رجعة عنها، بحسب ما صرح به محافظ البنك المركزي بالعاصمة عدن أحمد المعبقي، إلا أن الحوثي نجح في إفشال قرارات مركزي عدن السابقة الصادرة بتاريخ 2 أبريل 2024م، التي نصت على نقل المقار الرئيسة للبنوك والمؤسسات والمصارف التجارية من صنعاء اليمنية الى العاصمة الجنوبية عدن، وهي :(التضامن، اليمن والكويت، اليمن والبحرين الشامل، بنك الأمل للتمويل الأصغر، بنك الكريمي للتمويل الأصغر الإسلامي، وبنك اليمن الدولي)، معطياً إياها مهلة زمنية لتنفيذ القرار خلال 60 يوماً من إعلانه. وهو ما اعتبرته صنعاء تصعيداً أمريكياً للضغط عليها لوقف عملياتها في البحر الأحمر ضد السفن الإسرائيلية نصرة لقطاع غزة بفلسطين المحتلة،
حيث حملّت صنعاء الرياض مسؤولية تداعيات ذلك القرار، على اعتبار أنه ما كان ليصدر لولا وجود ضوء أخضر سعودي.
وقال عبد الملك الحوثي، في كلمة متلفزة آنذاك: الأمريكي أرسل إلينا برسائل بأنه سيدفع النظام السعودي إلى خطوات عدوانية، وحصلت زيارات أمريكية للسعودية من أجل ذلك، مؤكداً أن أهم ما يركز عليه الأمريكي هو المجال الاقتصادي لأن ضرره يلحق بكل الناس.
مستهجنا بالقول: سنقابل كل شيء بمثله: البنوك بالبنوك، ومطار الرياض بمطار صنعاء، والموانئ بالميناء، وسنقول على البنوك في الرياض أن تنتقل وأن تذهب، فهل تقبلون بهذا وتعتبرونه شيئاً منطقياً؟ فلماذا تريدون فرضه على بلدنا؟ معتبراً أن الضغط بنقل البنوك من صنعاء خطوة جنونية وغبية، ولا أحد في العالم يفكر بهذه الطريقة.
ومع تصاعد التهديدات التي أطلقها زعيم الحوثيين الارهابي عبد الملك الحوثي، ضد السعودية، كثفت الأخيرة مساعيها لإلغاء القرار، ولكن عبر الإعلان الأممي، حيث وجه المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، يوم 12 يوليو 2024م، رسالة لرئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، تم بموجبها إلغاء قرارات مركزي عدن، بحجة ان هذه القرارات سوف توقع الضرر بالاقتصاد اليمني، وستفسد على اليمنيين البسطاء معاشهم في كل أنحاء البلاد، وقد تؤدي إلى خطر التصعيد الذي قد يتسع مداه إلى المجال العسكري، بحسب رسالة المبعوث الأممي المطولة.
هل ينجح الحوثي في إفشال الإصلاحات الاقتصادية والنقدية الأخيرة؟
في السياق، تساءل خبراء اقتصاد حول قدرة جماعة الحوثي على إفشال الإصلاحات الاقتصادية والنقدية الأخيرة، التي تبنتها حكومة بن بريك ومركزي عدن منذ منتصف يوليو 2025م. مؤكدين أن الحوثي في الوقت الراهن يمارس ضغوطاً ويبعث رسائل تهديد شديدة اللهجة للمملكة العربية السعودية، تسببت في تأجيل عقد اجتماع الرئاسي والحكومة في الرياض حتى اللحظة.
تصاعدت حدة التهديدات الحوثية منذ منتصف أكتوبر 2025م، رداً على ما وصفته الجماعة بـ”تشديد الحصار الاقتصادي على الشعب اليمني”. في إشارة إلى اجتماعات الرئاسي والحكومة في الرياض، ودعم الخزانة الأمريكية لإصلاحات حكومة بن بريك ومركزي عدن من جهة، وتشديد الحصار على اقتصاد جماعة الحوثي من جهة أخرى.
وقال القائم بأعمال رئيس حكومة صنعاء (غير المعترف بها) محمد مفتاح، إن معادلة الرد بالمثل لا تزال قائمة ولم تسقط. في رسالة مباشرة للسعودية رداً على التضييق والإجراءات التي ينفذها التحالف العربي.
وأضاف مفتاح: نقول لكل من يتخذ إجراءات للتضييق على الشعب اليمني في معيشته، إن معادلة البنك بالبنك، والمطار بالمطار، والميناء بالميناء، لاتزال سارية المفعول، لم تُلغَ، وهذه اللعبة لن تستمر، وشعبنا لن يرضخ للابتزاز الاقتصادي، وسيواجه ويسقط كل المؤامرات.
من جهته، وجه مهدي المشاط، رئيس المجلس السياسي في صنعاء، رسالة تحذير للسعودية، في كلمته بمناسبة ذكرى ثورة 14 أكتوبر 2025م، طالبها خلالها بـ«سرعة إنهاء العدوان والحصار والاحتلال، وتنفيذ الاستحقاقات الواضحة للسلام»، مضيفاً بأن «القوات المسلحة لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء استمرار استهداف وتجويع وحصار الشعب اليمني»، بحسب تعبيره.
وكانت جماعة الحوثي قد دفعت بقرابة 100 ألف مقاتل مطلع أكتوبر 2025م باتجاه الحدود السعودية.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي الأستاذ ماجد الداعري، إن تعثر عودة رئيس حكومة الشرعية سالم بن بريك إلى عدن، سببه استمرار أزمة الرواتب، وعجز البنك المركزي اليمني في عدن عن الإيفاء بتعهده بتدبير السيولة، لعدم تنفيذ اتفاق إعادة توريد موارد الدولة إلى حسابات الحكومة بالبنك المركزي، ورفض المحافظات والمؤسسات التوريد بناءً على قرارات مجلس القيادة.
الإصلاحات الحقيقية تبدأ من هرم السلطة لا من جيوب المواطنين:
في 26 أكتوبر 2025م، نشر الأستاذ أحمد سعيد كرامة على حسابه في فيسبوك منشوراً، أكد خلاله أن الإصلاحات الحقيقية تبدأ من هرم السلطة، لا من جيوب المواطنين المنهكة.
وبلغة الأرقام، كشف كرامة حجم العبث المالي الذي تمارسه السلطات العليا، مطالباً بوقف المخصصات الشهرية لأعضاء مجلس القيادة الرئاسي، التي تبلغ نصف مليار ريال يمني، إضافة إلى 700 مليون ريال شهرياً لرئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، من بنك عدن المركزي، رغم تلقيه مليون ريال سعودي من السعودية.
ودعا الأستاذ أحمد كرامة إلى وقف الإنفاق على جيش المرافقين الذي يتعدى الآلاف، معتبراً أن هذا النزيف المالي لا يمكن تبريره في بلد يعيش على حافة الانهيار. كما طالب بإعادة هيكلة رواتب محافظ البنك المركزي من 45 ألف دولار شهرياً إلى خمسة ملايين ريال يمني، وخفض رواتب أعضاء مجلس الإدارة من 25 ألف دولار إلى 3 ملايين ريال يمني، مع وقف صرف الرواتب بالدولار والريال السعودي للوزراء والمسؤولين كافة.
وشدد كرامة في ختام منشوره، وبه نختم التقرير، على ضرورة وقف كشف الإعاشة الشهرية للمسؤولين، وإلزامهم بالعودة إلى المناطق المحررة والعيش بين الناس، بدلًا من حياة الفنادق والامتيازات غير المبررة.
