إنهيار نظام وصعود آخر.. “مدغشقر” على مفترق الانتقال..!

سمانيوز/تقرير/خاص
بناءً على المعطيات الواردة في التقارير الإخبارية الدولية، يقدم هذا التقرير تحليلاً استراتيجياً شاملاً للمرحلة الانتقالية في مدغشقر، متجاوزاً سرد الوقائع إلى تحليل الديناميكيات العميقة والسيناريوهات المستقبلية.
لم يعد الطلاء البرتقالي الذي كان يزين المدارس والمراكز الصحية في أنتاناناريفو يذكّر بحكم الرئيس المخلوع أندري راجولينا، في خطوة رمزية تعكس بداية مرحلة جديدة. بعد الإطاحة به في 14 أكتوبر 2025، إثر احتجاجات شعبية قادها جيل “زد”، تواجه مدغشقر مرحلة انتقالية محفوفة بالتحديات السياسية والاجتماعية والقضائية، بينما تتشابك الضغوط الداخلية مع تطلعات المجتمع الدولي لضمان استقرار البلاد.
انهيار النظام وبيئة السقوط
على مدى السنوات الأخيرة، واجه نظام راجولينا تآكلًا في شرعيته نتيجة تراجع التأييد الشعبي وتصاعد الخلافات بين المؤسسات. الارتفاع المستمر في أسعار الغذاء، موجات التضخم المتلاحقة، وانقطاع الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه، جعلت ثقة المواطنين في قدرة السلطة على إدارة الأوضاع اليومية تتراجع بشكل ملموس.
إضافة إلى ذلك، تصاعدت الاتهامات بسوء إدارة العقود العامة وعدم الشفافية في توزيع الموارد، ما سلط الضوء على شبكات النفوذ المحيطة بالرئاسة وتأثيرها على القرارات الاقتصادية والاستراتيجية. هذه البيئة المضطربة ساهمت في تنظيم الاحتجاجات بشكل أكثر فعالية، لا سيما بعد انضمام النقابات والقطاعات الطلابية، ما دفع إلى اتساع رقعة الغضب الاجتماعي داخل مؤسسات الدولة نفسها.
ملفات التحقيق والرقابة الرسمية
لم يكن الغضب الشعبي وحده سببًا في سقوط النظام، فقد لعبت التحقيقات في الملفات المالية والإدارية دورًا حاسمًا. تسربت بعض الملفات إلى وسائل الإعلام، ما أظهر الخلافات داخل الدائرة القريبة من الرئيس السابق.
قائد وحدة Capsat، ميخائيل راندريانيارينا، تولى السلطة مؤقتًا وحرص على الإعلان عن سلسلة خطوات رمزية لمواجهة الإفلات من العقاب، بدءًا من فتح تحقيقات بحق رموز النظام السابق. مامي رافاتومانغا، أحد أبرز رجال الأعمال ومستشاري الرئيس السابق، أصبح ملاحقًا دوليًا بموجب مذكرة توقيف، بينما اعتُقلت ريناه راكوتومانغا، المديرة السابقة للاتصال في الرئاسة، بتهم تشمل تضارب المصالح واستغلال النفوذ.
تسعى السلطات الجديدة عبر هذه الإجراءات إلى إثبات أن العدالة والرقابة تعملان بمعزل عن أي رغبة في الانتقام، فيما أشار أندريانيرينا إلى أن التحقيقات “من اختصاص القضاء لا الانتقام”، مؤكّدًا متابعة كل من نهب موارد الدولة.
تحركات المؤسسات وتأثيرها
مع اتساع الشرخ بين الشارع والحكومة السابقة، بدأت مؤسسات الدولة تتخذ خطوات غير معلنة للضغط على القيادة السابقة لقبول خارطة انتقالية جديدة. بعض الأجهزة الرقابية أظهرت استعدادًا أكبر لممارسة دورها بفعالية بعد أن توقفت عن العمل تحت سلطة النظام المنهار.
الضغط الداخلي تزامن مع مخاوف دولية، حيث أبدى شركاء التنمية الرئيسيون قلقهم من استمرار الوضع السياسي غير المستقر، الأمر الذي يجعل استمرارية الحكومة السابقة مكلفة على كافة الأصعدة.
جيل “زد” والرقابة المدنية
يواصل جيل “زد” مراقبته للسلطة الجديدة عن كثب، ويرى نفسه كعنصر رقيب فعال على كل القرار السياسي. أندري راودينا، أستاذ العلوم السياسية، وصف هذا الجيل بأنه “سيف داموقليس فوق رؤوس السلطة”، مشيرًا إلى قدرته على التأثير في المشهد السياسي، مع وجود تحديات داخلية ناتجة عن الخلافات التقليدية في الحركات الاجتماعية.
الضغوط الاقتصادية وعلاقات المانحين
تعتمد المرحلة الانتقالية بشكل كبير على دعم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لتمويل المشاريع التنموية، خاصة في بلد يعاني من فقر مدقع يؤثر على 66% من السكان وفق بيانات أكتوبر 2025. أي توقف للتمويل قد يفسح المجال لتدخلات دولية أخرى، مثل روسيا، التي أبدت رغبتها في تعزيز التعاون، مدعومة من رئيس البرلمان الجديد، سيتيني راندريانا سولونيايكو.
الأزمات الاجتماعية والأمنية
تواصل إضرابات موظفي شركة الكهرباء والمياه الحكومية Jirama منذ سبتمبر تسببًا في انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي، بينما يطالب العمال برحيل مدير الشركة الحالي نتيجة سوء التسيير. في الوقت نفسه، كشف مدير جهاز الاستخبارات عن توقيف اثنين من الأجانب الذين خططوا لاغتيال الرئيس المؤقت، مع الإشارة إلى احتمال وجود جهات خارجية وراء المخطط.
آفاق المرحلة الانتقالية
تسعى القيادة الجديدة إلى ترميم الثقة في المؤسسات، من خلال إصلاح الإدارة العامة، وتحديث بعض الاتفاقيات الاقتصادية المثيرة للجدل، وتعيينات مسؤولة في وزارات حساسة، بهدف إظهار أنها ليست امتدادًا للمرحلة السابقة.
المؤرخ جينوت راسولواريسون يوضح أن الانتقال السياسي في مدغشقر غالبًا ما يواجه تكرارًا للفساد والمحسوبية، ويضيف أن “إجراء انتخابات مبكرة قد يساعد على تجديد الطبقة السياسية، خصوصًا بعد بروز وجوه جديدة خلال الاحتجاجات”، فيما وعد راندريانيارينا بإجراء الانتخابات خلال عامين، دون استبعاد ترشحه.
بلد أمام اختبار تاريخي
تبقى السلطة الانتقالية أمام تحديات مزدوجة: مواصلة التحقيق في رموز النظام السابق، وفي الوقت نفسه الحفاظ على استقرار البلاد الاجتماعي والاقتصادي. المزاج العام لدى المواطنين يظل حذرًا، والشارع يقيم أي مؤشر على إعادة إنتاج الممارسات السابقة.
النجاح في إدارة الملفات المفتوحة، إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وكسب ثقة الشركاء الدوليين، سيكون المعيار الأهم لقدرة القيادة الجديدة على تحويل التغيير الرمزي إلى إصلاح مؤسسي حقيقي. مدغشقر أمام فرصة نادرة لإعادة بناء المؤسسات على أسس أكثر صلابة، شرط أن تصمد الحكومة أمام اختبارات الأيام المقبلة.
