طب و صحة

مفارقة خطيرة.. السرطان يدمر حمضه النووي أثناء نموه

سمانيوز /متابعات /رضا أبوالعينين

 

كشفت دراسة علمية حديثة أن السرطان، في سعيه المحموم للنمو السريع، قد يُلحق الضرر بنفسه عبر إحداث كسور متكررة في حمضه النووي، ما يفتح الباب أمام طفرات جديدة تسهم في تطور المرض وزيادة عدوانيته.

 

وبحسب البحث الذي نُشر في مجلة Science Advances، وجد علماء أن الخلايا السرطانية تعتمد على مناطق جينية شديدة النشاط تُعرف باسم “المعززات الفائقة” (Super-enhancers)، والتي تعمل كمراكز تحكم قوية تُشغّل الجينات المسؤولة عن نمو الورم، إلا أن هذا النشاط المفرط يضع ضغطا كبيرا على الحمض النووي، ما يؤدي إلى حدوث كسور مزدوجة في سلاسله.

 

أوضح الباحثون أن هذه الكسور لا تحدث بشكل عشوائي، بل تتركز في المناطق ذاتها التي تُفعّل فيها الجينات المرتبطة بالنمو بشكل مفرط.

 

إجهاد جيني يؤدي إلى كسور متكررة

 

استخدم الفريق تقنيات متقدمة لرسم خرائط دقيقة للحمض النووي، وكشف أن الكسور تتكرر في نفس المواقع النشطة داخل الجينوم، ويحدث هذا نتيجة الاستمرار في تشغيل الجينات بمستويات عالية جدا، ما يسبب ما يشبه “الإجهاد الجزيئي” الذي يضعف بنية الحمض النووي.

 

ورغم أن الخلايا السرطانية تمتلك آليات لإصلاح هذا الضرر، فإن عمليات الإصلاح المتكررة ليست دائما دقيقة، مما يؤدي إلى تراكم أخطاء صغيرة تتحول مع الوقت إلى طفرات جينية جديدة، هذه الطفرات تسهم في قدرة الورم على التكيف ومقاومة العلاجات.

 

دورة خطيرة بين الضرر والإصلاح

 

وأظهرت النتائج أن الخلايا السرطانية تمر بدورات متكررة من تلف الحمض النووي ثم إصلاحه داخل نفس المناطق عالية النشاط، وهو ما يُبقي الورم على قيد الحياة، لكنه في الوقت ذاته يعزز من عدم استقرار مادته الوراثية.

 

وقال البروفيسور رامي عقيّلان، من جامعة القدس والمشرف على الدراسة، إن الخلايا السرطانية “تعتمد على المعززات الفائقة للحفاظ على تشغيل جينات النمو بسرعة عالية”، موضحا أن هذا النشاط المكثف “يخلق نقاط ضعف في الحمض النووي، تضطر الخلية لإصلاحها مرارا، ما يزيد من احتمالية حدوث الطفرات”.

 

من جانبه، أشار أسامة حِدمي، طالب الدكتوراه الذي قاد الدراسة، إلى أن هذا الاعتماد على مناطق عالية الإجهاد قد يمثل نقطة ضعف علاجية، قائلا إن “الخلايا السرطانية قد تكون أكثر عرضة للتأثر في هذه المناطق، ما يفتح المجال أمام تطوير علاجات تستهدف هذه الآليات الحيوية”.

 

آفاق علاجية جديدة

 

تسلط هذه النتائج الضوء على أحد أهم التحديات في علاج السرطان، وهو قدرته على التطور واكتساب مقاومة للعلاجات نتيجة عدم استقرار حمضه النووي، لكن الدراسة تشير في الوقت نفسه إلى أن هذه الآلية قد تُستغل ضد الورم نفسه.

 

فاستهداف المعززات الفائقة أو تعطيل آليات إصلاح الحمض النووي قد يجعل الخلايا السرطانية أكثر عرضة للانهيار، خاصة وأنها تعتمد على هذه العمليات للبقاء.

 

وبذلك، تقدم الدراسة فهما أعمق لكيفية تطور السرطان، وتكشف عن مفارقة لافتة: فبينما يمنح النشاط الجيني المفرط الأورام القدرة على النمو السريع، فإنه في الوقت ذاته يقود إلى إضعاف استقرارها الجيني، ما قد يشكل مدخلا جديدا في معركة القضاء على هذا المرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى