عام

من أجل ثورة أخلاقية تصحيحية الجزء الأول

د . توفيق الجعفري

د . توفيق الجعفري

طبيب في مجال تقويم العمود الفقري والوخز والطب الشرقي
أفرزت الصراعات السياسية المستمرة وضعف التعليم والحروب والضغوطات النفسية المصاحبة لها الكثير من السلوكيات السلبية في العلاقات الإجتماعية بين الناس. ويتجلى ذلك بوضوح في مواقع التواصل الإجتماعي والنوادي والتجمعات العامة. حيث أصبح من الصعوبة بمكان ما تنظيم منتديات الحوار أو حتى مجرد اللقاءات العادية المثمرة على مستوى القرى والمدن بدون أن يشوبها الكثير من المشادات الكلامية والأساليب الهجومية في الحديث. والناظر لحال الناس يرى مدى إستفشاء الكثير من هذه السلوكيات الممقوتة مثل نشر الشائعات والتعامل معها وكذلك الشتم واللعن بحق من يُختلف معه في الرأي ناهيك عن التعصب الأعمى الذي أصبح عاهة تفتك بالكثير من شبابنا.
في هذا المقال سوف أتطرق لثلاث من هذه المشكلات وبعض الحلول  المستسقاة من وحي الكتاب والسنة وكيفية تطبيقها على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع .
المشكلة الأولى: نشر الشائعات والتعامل معها:
مع التقدم التكنولوجي وتعدد وسائل التواصل الإجتماعي، أصبحت هذه المشكلة أكثر إنتشارا والسيطرة عليها أكثر صعوبة. أما أسباب هذه المشكلة فتكمن في عدم إهتمام الأسرة والمجتمع من التحذير منها بالإضافة للجهل بتعاليم ديننا الحنيف الذي يحذر من هذه الآفة ويبين أضرارها الخطيرة.  الإشاعات والتعامل معها تنسف العلاقات الإجتماعية وتزرع الكراهية والضغينة بين الأفراد والجماعات. ويظهر ذلك جلياً على مستوى القرى والمدن والوطن بشكل عام. الإشاعة تهيج المجتمعات وتزرع الشك وسوء الظن بين الرئيس والمرؤوس في مواقع العمل وتشكل عائقا كبيرا أمام العمل الجماعي والتطور المصاحب له.
لقد حذرنا الله من خطر الشائعات ونتائجها فقال سبحانه وتعالى (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ). فالله سبحانه وتعالى أمرنا أن نتبين صحة ما يقال لنا كي لا نصيب من حولنا بمكروه بسبب نقلنا وتعاملنا مع الأخبار الغير مؤكدة.
وبين الرسول صلى الله عليه وسلم حرمة الشائعات وتبادلها فقال : ( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ). وقال صلى الله عليه وسلم أيضا : (إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ ، وَمَنْعًا وَهَاتِ ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ). فالطريق الوحيد للقضاء على هذه المشكلة هو حسن الظن وتربية النفس على عدم التعامل مع أي أخبار ونشرها إلا بعد التأكد من صحتها وبشرط أن تكون لها فائدة على الفرد والمجتمع وفق الكتاب والسنة وليس مجرد صحتها فقط.  وعلى أهل الحل والعقد أن يعملوا على زرع هذه المفاهيم في المجتمع عبر المدارس والمساجد واللقاءات المفيدة.
المشكلة الثانية: الشتم واللعن بحق من يُختلف معه في الرأي:
كما هو الحال بالنسبة لنشر الشائعات، فالجهل بالدِّين وأخلاقيات التعامل مع الآخرين جعل الكثير لا يتردد في قذف وسب من يختلف معه في الرأي وكأنه يملك الحقيقة كلها. ونرى ذلك جليا بين مختلف شرائح المجتمع بدون إستثناء.
يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِطَعَّانٍ, وَلا بِلَعَّانٍ, وَلا الْفَاحِشِ الْبَذِيءِ). وَيقُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضَاً :(إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ, وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ)  وفي حديثٍ ثالث يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
فكل هذه الأحاديث النبوية تنهانا عن الشتم واللعن وترشدنا إلى الرفق لبلوغ أهدافنا. الشتم واللعن ليس إنتقاصا ممن وُجِّهَ إليه بل يُبين أخلاقيات الشاتم والتي ستجعل الآخرين ينظرون إليه بنظرة دونية بسبب سوء مقاله وتعامله ناهيك عن المعصية التي يرتكبها بمخالفته تعاليم الكتاب والسنة.
وكما هو الحال بالنسبة لأي مشكلة إجتماعية، فالقضاء عليها يبدأ من الأسرة ثم المدرسة والمسجد إذا ما أردنا بناء مجتمع منسجم ومتعايش.
المشكلة الثالثة: التعصب الأعمى:
يعتبر التعصب الأعمى السرطان الذي ينهش في جسد الأمة ويفتك بها يوما بعد يوم. وهو سبب رئيس للمشكلتين السابقتين.  والتعصب أيضاً طريق معبد للحروب والإرهاب الفكري وبوابة للعنف المستمر.  هو كذلك سبب لبعد الكثير عن تعاليم الدين والإنحراف والوقوع في براثن الطرق والأفكار الهدامة. المتعصب لايرى إلا مايعتقده ولا يقبل التعاطي مع أي رأي للوصول للحقيقة. المتعصب  يجرد نفسه من الولاء لله ورسوله فيصبح لايرى واجبه تجاه وطنه وأهله إلا من زاوية ضيقة تتمثل بتبعيته لشخص أو جماعة أو حزب أو قبيلة أو منطقة معينة. فمن وافقه رأيه كان صديقه الحميم ورفيقه الموثوق به ومن خالفه صار عدوا ًلدودا.
يُبين الله تعالى مايجب أن يكون عليه المؤمن قائلاً:
(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ويقول في أيةٍ أخرى ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.). فإذا ما التزم المؤمن بكلام الله ، حصن نفسه من التعصب وكان قريباً من الله ومن قلوب  الناس وزاد حبهم له وتعاونهم معه وبالتالي كان تأثيره أكبر.
ويقول سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)
فالله سبحانه وتعالى يُبين لنا بأننا جميعا خُلقنا سواسية من ذكر وأنثى وأنه جعلنا شعوبا لنتعارف وليس لنتعصب لقبيلة أو جماعة وأن التقوى هي المقياس الإلهي للتمييز.
وجاء في الحديث أنه  قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: «تمنعه من الظُّلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ). فواجب الجميع النصح لبعضهم البعض بالحكمة والموعظة لكي يصلح حال الفرد والمجتمع. وكذلك الدعوة للحق بالأسلوب الحسن والإستفادة من أهل العلم والخبرة في تقريب وجهات النظر والمناصحة والتوعية لخلق مجتمع أكثر عطاء وتماسكا.
——————————————-
عن الكاتب :
د. توفيق الجعفري، طبيب في مجال تقويم العمود الفقري والوخز والطب الشرقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى