الصين والوساطة الدولية وتنفيذ العقوبات الأمريكية؟

كتب: علي عبدالله البجيري.
مع تصاعد الحرب الروسية – الأكرانية واتخاذها مساراً خطيراً ، بدأت بعض الأصوات الغربية تدعوا الصين لتقوم بدور الوَساطة نظراً للعلاقات المتميزة بين بكين وموسكو ،فالعلاقات الصينية الروسية لها مقوماتها التاريخية، ضف إلى تطابق وجهات نظرهما تجاه أهمية التنوع السياسي في العلاقات الدولية ، علاوة على عمق العلاقات التجارية بين البلدين والذي بلغ حجم التبادل التجاري الصيني الروسي لعام 2021م أكثر من 140 مليار دولار . جميعها تساعد على أن تتولى الصين دور الوساطة وتقريب وجهات النظر بين روسيا وجارتها أوكرانيا . كما لا يخفى على المتابع السياسي ما تتعرض له كلا من روسيا الاتحادية والصين من مخاطر محدقة بأمن وسلامة البلدين. فروسيا الاتحادية تتعرض لتهديدات حلف شمال الأطلسي مع اقتراب قواته من حدودها الوطنية. وعلى الجانب الصيني هناك التحشيد لاساطيل البحرية الأمريكية وتزاحمها في” بحر الصين الجنوبي”، والتي تعتبرها الصين تهديداً صريحا لسيادتها ومساسا بوحدة الأمة الصينية بإقاليمها وجزرها من “هون كونج حتى” تيوان” هذان العاملان المشتركان بين روسيا والصين يجعل الصين في موضع القبول بالوساطة ولو حفاظا على مكانة روسيا وتعزيزا لموقفها.
وبالعودة إلى إمكانية قيام الصين
بالوَساطة لوقف الحرب الروسية – الأوكرانية نسجل الملاحظات التالية:
أولاً:
الحديث عن الوَساطة الصينية يأتي بعد أن اصبحت الولايات المتحدة طرفا في ذلك الصراع، بل وعملت على إفشال كل الجهود الدبلوماسية، وتفردت بتوجيه مسارات الأزمة وصب الزيت على النار بهدف توريط واستنزاف روسيا في عمق الدولة الأوكرانية المجاورة.
ثانيا:
من وجهة نظر الاتحاد الأوروبي، الصين هي الدولة المؤهلة لهذا الدور وعلى هذا طالب مسؤول العلاقات الخارجية الأوروبي “جوزيب بوريل” الصين للتوسط في المفاوضات، قائلاً “ما من بديل، يجب أن تكون الصين” والدعوة صدرت أيضاً من جانب القيادة الأوكرانية التي تؤيد دور الوسيط الصيني.
ثالثا:
يرى بعض المحللين السياسيين، أن هدف الغرب هو تحييد الصين من الأزمة ووضعها في موقف محرج مع حليفتها الاستراتيجية موسكو ، وهناك من يرى أن قبول الصين بالوساطة يمنعها من التفكير بشن عملية عسكرية لغزو جزيرة “تايوان” في بحر الصين الجنوبي.
رابعاً:
بكين لم تتأخر في الرد على هذه الدعوات من خلال وزير خارجيتها السيد “وانج بي” الذي أكد في مؤتمر صحفي عقده الأسبوع الماضي ، أن بلاده مستعدة للعب دور الوسيط في الحرب الدائرة على الأراضي الأوكرانية.
رابعا:
الصين سبق وأن أعلنت أنها تحترم وحدة أراضي الدول وسيادتها بما فيها أوكرانيا، لكنها أكدت من جهة أخرى أنه ينبغي التعامل بجدية مع مخاوف روسيا بشأن توسع حلف الأطلسي شرقاً.
خامسا:
الموقف الصيني يرى بأن الأحادية القطبية لم تعد تصلح لإدارة العالم، بل سوف تؤدي إلى مزيد من الأزمات والحروب.
سادساً:
صحيح أن الصين تسعى لعدم انتهاك العقوبات المفروضة على روسيا علانية والدخول في نزاع مع أميركا والغرب، مما قد يعرض مصالحها الاقتصادية للخطر. فحجم التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية بلغ 470.31 مليار دولار أميركي لعام 2021م. بينما بلغ حجم تجارة الاتحاد الأوروبي مع الصين خلال العام الماضي، 586 مليار دولار. أما الخاسر الأكبر في هذه الحرب فهي أوكرانيا التي بلغت خسائرها 119مليار دولار بحسب تقييمات أولية رسمية.
سابعا:
التصريحات والمواقف الصينية تؤكد حتى الآن أن بكين لن تتخلى عن روسيا، رغم بيان وزارة الخارجية الأمريكية الصادر بتاريخ 14 مارس والذي جاء فيه: أبلغنا الصين أننا لن نقف مكتوفي الأيدي ولن نسمح لأي دولة بتعويض خسائر روسيا. وجاء الرد من وزير الخارجية الصيني قائلاً: إن بلاده ترفض أن تتأثر بالعقوبات المفروضة على روسيا وأن بلاده تقف على الحياد في النزاع الروسي الأوكراني.
الخلاصة: تدخل الحرب الروسية الأوكرانية أسبوعها الرابع، وترتفع الأصوات المطالبة بأن تقوم الصين بدور الوسيط، والواضح أن أطراف الأزمة غير مستعدين لتقديم التنازلات.
موسكو تعلن أنها غير مستعدة للقبول بأقل من وقف تمدد حلف الأطلسي شرقاً، وتحييد أوكرانيا، ومنح الضمانات الملزمة والتي تقضي بعدم وضع أسلحة دمار شامل في أوروبا الشرقية وعلى مقربة من حدودها. بينما الغرب وأمريكا غير مستعدين لتلبية المخاوف الروسية التي ترى أن القبول بها انتصاراً لروسيا، والموافقة على قيام نظام دولي متعدد الأقطاب تكون فيه روسيا والصين قطبان رئيسيان إلى جانب واشنطن وحلفائها الأوروبيين.
والسؤال هل تنجح الدبلوماسية الصينية اختراق جدار الأزمة وتجنيب البشرية حرب عالمية ثالثة.؟
ما نراه أن الخيارات صعبة أمام القياده الصينية، فهي بين المطرقة والسنداب. وفي كل الأحوال ننتظر ما ستأتي به عواصف السياسة والمصالح والشراكة في الأيام القادمة؟ فالرياح تجري بما لا تشتهي السفن.
