مقالات

معركة الهوية والوجود

كتب : عارف اليافعي

منذ الاجتياح اليمني البربري الغاشم للجنوب عام ١٩٩٤م، وشعبنا الجنوبي العظيم يخوض معركته الوطنية المصيرية، معركة الشرف والكرامة والعدل والحرية والهوية والوجود، بصمود أسطوري وثبات لم يتزحزح وعزم لا يلين، أذهل الأعداء وأربك حساباتهم وبدد جهودهم ومزق مخططاتهم وأفشل خططهم الشيطانية التي كانت تهدف إلى تشويه تاريخه والتشكيك بموروثه وتهجين حضارته ويمننة ثقافته وطمس خصوصيته وانتزاع جنوبيته واجتثاث هويته.
لهذا كانت المعركة الحقيقية والخطيرة بيننا كجنوبيين وبين اليمنيين، معركة هوية أكثر منها معركة عسكرية، وبقدر ما استماتوا في حربهم على هويتنا، كان استبسالنا في الدفاع عنها، لإدراكنا أن لا بقاء لنا إلا بها ولا زوال لغزوهم إلا بالحفاظ عليها.
بالرغم من ضراوة ووحشية الحروب العسكرية والنفسية والإعلامية والثقافية والاقتصادية التي شنت علينا، وطناً وشعباً، من قبل منظومة عصابات الشمال القبلية والحزبية، إلا أنها لم تستطع زحزحتنا أو انتزاع هويتنا، لأنها هوية ثابتة في ضمائرنا، راسخة في نفوسنا، متجذرة في عقيدتنا منذ طفولتنا، آباء وأبناء وأحفاد وأجيال متعاقبة، ولدت وعاشت فيها وتربت وترعرعت عليها.

لقد أدرك الشعب الجنوبي الأبي أهمية الحفاظ على الهوية الجنوبية، منذ ساعات الغزو الأولى، لهذا كانت معركته مع العدو معركة سلمية مدنية حضارية راقية، بدأت بسلاح المقاطعة لكل ما هو شمالي، مقاطعة المسؤول والموظف والعسكري والتاجر والبائع وسائق التاكسي ومقاطعة الصحف والمنتجات وكل وسيلة ترمز للاحتلال، والتي أصابت العدو في مقتل، لأنها معركة نابعة من مدنية هذا الشعب وثقافته وخصوصيته المختلفة كلياً وجذرياً عن الهوية والثقافة اليمنية.
وبعد أن فشل المحتل من جر الجنوبيين إلى استخدام العنف، استخدم سلاح الإقصاء والتهميش والتجويع، لتركيع الشعب الجنوبي، وقبوله بالأمر الواقع، الذي فرضه المحتل إلا أنه فشل فشلاً ذريعاً، وارتد خائباً خاسراً، أمام أصالة وصلابة الهوية الجنوبية.
وبعد سنوات طويلة من الصبر والصمود، أتت الفرصة الثمينة التي لا تعوض، فرصة اندلاع عاصفة الحزم والعزم، فدخل بها الشعب الجنوبي كله، شعب مسلح بالعقيدة والذخيرة، وخاض حربه المقدسة المجيدة، بشرف وإيمان واستبسال حتى هزم عدوه وانتزع حقه واستعاد أرضه كاملة، تحت قيادة واحدة وقوات واحدة وراية واحدة.
واليوم ونحن نحيي ذكرى يوم الأرض، كشعب واحد ووطن واحد من المهرة إلى باب المندب، حق لنا، أن نفاخر بأرضنا ونتبارك بها، الأرض التي ارتوت بدمائنا قبل عرقنا وتسورت بأرواحنا قبل سواعدنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى