ضرورة استقلالية المرجعيات الجنوبية لتحقيق تجذير الهوية

كتب:
م. مسعود أحمد زين
دون الدخول في التفاصيل، كان شريك الوحدة الجنوبي في 1990 قد أصر على أن يبقى دور المرجعية القبلية في العربية اليمنية كما هو، مشاركًا في إدارة الدولة، وأن تُحل بعض قضايا الناس بالعرف القبلي وليس بمؤسسات القانون.
بعد حرب 94، تعمد الطرف المنتصر إعادة إحياء السلاطين والمشايخ في الجنوب بهدف خلق صراع جديد بين من توحد معه في 1990 وبين هذه الشريحة الجنوبية التي خرجت من الحكم بعد نوفمبر 67.
الحقيقة أن الغالبية الساحقة من سلاطين ومشايخ الجنوب لم يذهبوا للانتقام، وكانوا أكثر وطنية مما توقعه نظام صنعاء. وعندما ظهرت مبادرة التصالح والتسامح الجنوبي في 2006، كان أبناء السلاطين والمشايخ من المباركين الأوائل لهذه المبادرة في سبيل رتق النسيج الاجتماعي الجنوبي.
وأخيرًا، في لقاءات لجنة الحوار التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي قبل سنتين تقريبًا، والتي التقت فيها ببعض السلاطين والمشايخ، كان الموقف الوطني هو موقفهم، داعمين للتقارب الجنوبي وبناء دولة جنوبية فيدرالية مستقلة قائمة على المواطنة المتساوية بين الجميع.
هذا هو الواقع، ولم يستحضر الرئيس الزبيدي بقراره عودة الدور الاجتماعي للمشايخ والسلاطين جنوبًا، بل هو موجود منذ 1994 مع فارق سياسي مهم، وهو أن من أعادهم هو نظام صنعاء المنتصر بالحرب بهدف أن تخدم مصالح الدولة المركزية في صنعاء وليس أي مصلحة مستقلة للجنوب، وأن يتم استثمارهم كلما أمكن كنظام تعطيل لأي مشروع وطني جنوبي مستقل، وأن يكونوا عنصر صراع جنوبي داخلي وليس أداة وفاق جنوبي بين الجميع.
وهذا ما نشاهده اليوم في حضرموت وقبلها في المهرة، إلى درجة الدعوة للنشاط المسلح بدلاً من النشاط الاجتماعي السلمي فقط. وقبلها، كانت الأمثلة موجودة لمثل هذه التجمعات باسم أبناء عدن أو باسم قبائل أبين أو يافع أو شبوة وغيرها.
الغريب في الأمر أن كل هذه التطورات منذ 1994 لم تثر استهجان المثقفين من الشمال أو الجنوب، ولا بعض القيادات (المثقفة) الجنوبية. لكن عندما قرر الانتقالي الجنوبي إعادة توظيف هذه الشريحة الاجتماعية الجنوبية (وليس استعادتها من العدم) لمصلحة التوافق الجنوبي الجنوبي، ولعب دور مهم في تثبيت السلم الأهلي بالجنوب، وأن تستقل هذه المرجعية الجنوبية بقرارها الوطني بعيدًا عن أي تبعية لنظام صنعاء، ظهر الانتقاد والاستهجان. وللأسف، كان بعض هذا الانتقاد من قيادات جنوبية وازنة غلب عليها مثالية المثقف على حساب حدس السياسي الذي يقدر التحديات والمسؤوليات ومتطلبات إدارة الدولة.
إذا لم ننظر لهذا الأمر من واقعية إدارة الدولة وليس بمثالية التنظير الفلسفي، وأن كسب ورقة المرجعية الاجتماعية هي خطوة مهمة تقربنا من الفوز باستقلالية القرار الجنوبي، فإننا نترك هذه الورقة المهمة كهدية بيد أطراف أخرى استخدمتها وسوف تستخدمها كورقة إيذاء للمشروع الوطني الجنوبي.
ينطبق نفس الأمر على أهمية وجود مرجعية دينية جنوبية مستقلة لا تتبع معبر أو حجور التي لا تخدم إلا مركزية الحكم في صنعاء بشكل مباشر أو مستتر.
وأعتقد أن الوقت قد تأخر كثيرًا، ويجب البت فيه أمس قبل اليوم، لإعادة تفعيل الهيئة الشرعية الجنوبية بقوام جديد يستوعب كل المتغيرات التي حصلت خلال السنوات الماضية، وبأهداف واضحة تضمن استقلالية الفتوى والمرجعية الدينية للجنوب.