ظلّ قصير على أرض لاهبة

كتب:
د. مريم العفيف
في عالمٍ يزدحم بالصخب، وتحت شمسٍ تفرغ لهيبها على الأرض، قد تتجسّد الإنسانية أحيانًا في أبسط ما يكون: لمسة، نظرة، أو ظلّ قصير يتقاسمه قلبان.
هذه الحكاية ليست عن كلبٍ متعب وحسب، بل عن كل كائن هشّ يبحث عن مأوى، ولو للحظة عابرة.
كان ممدّدًا على البلاط الملتهب، جسده مستسلم لحرارة الأرض كما يُستسلم لقدرٍ لا مهرب منه. شعرت أن الشمس سكبت كل غضبها على ذلك البياض اللاهب، حتى بدا وكأن حرارة المكان تتسرّب إلى قلبي.
اقتربت بخطوات هادئة. لم أكن أخشى الكلاب، فأنا أفهم صمتها ووجعها. أعرف أن النظرة قد تسبق الكلمة، وأن اللمسة قد تسبق العزاء.
انحنيتُ، ومددت يدي إلى رأسه. لم تكن لمسة اختبار، بل لمسة عهد؛ عهدٌ بأن هذه اللحظة لن تمرّ دون أن يشعر أن قلبًا آخر يتقاسم معه هذا الحرّ. كان شعره الخشن يحمل بقايا لهيب البلاط، وأنفاسه الساخنة تروي حكايات عن شوارع طويلة، عن وحدة، عن جوع… وربما عن خيانة.
لم ينهض، لكنه أغلق عينيه برفق، كأن لمستي نسجت بينه وبين العالم ستارًا صغيرًا من طمأنينة. حولنا ضجيج النهار، أما نحن فكنا داخل فقاعة صمتٍ، زمنها أبطأ من عقارب الساعة.
في تلك اللحظة، لم يكن بيننا فارق كبير.
هو كلب أنهكته الشوارع والشمس، ونحن بني الإنسان أنهكتنا تفاصيل الحياة، تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يلحظها أحد لكنها تترك في القلب ندوبًا لا تُمحى.
كانت يدي على رأسه جسرًا عابرًا بين عالمين، جسرًا من دفء قصير فوق أرض لاهبة.
أدركت أن كل الكائنات، مهما اختلفت أشكالها وأصواتها، تبحث عن الشيء ذاته: لمسة أمان، ظلّ قصير، أو قلب لا يرحل. وربما نحن البشر لا نختلف كثيرًا عن الكلاب الضالة أو الطيور الجائعة أو الأشجار التي تنتظر المطر؛ كلنا نتقاطع في الهشاشة، وننجو أحيانًا فقط لأن أحدهم توقّف، واقترب، ومدّ يده.
حين ابتعدتُ، تركتُ لمستي فوقه كما يُترك أثر الروح في الروح. ومضيتُ وفي قلبي يقين غريب: أن ما يربطنا بالعالم ليس القوة، بل قدرتنا على أن نكون ملاذًا ولو لحظة.
وربما ما يجعلنا بشرًا حقًا، ليس اللغة التي نتحدثها ولا المدن التي نبنيها، بل أن نرى الآخر — أيًّا كان — ونعترف بوجوده ووجعه. أن نتوقف وسط انشغالنا، نمدّ يدًا أو نظرة أو ظلًا قصيرًا… فقد تكون تلك اللحظة كل ما يملكه ذلك الكائن، وقد تكون كل ما تبقّى فينا من إنسانية.
