مقالات

السياسي أفسد الحكم، والمثقف أفسد المعنى: من أسقط الدولة في الشمال؟

كتب: توفيق دعبان

لم تكن الأزمة اليمنية مجرّد اختبار للسياسة ورجالها، بل كانت امتحانًا أخلاقيًا وفكريًا للنخب المثقفة، وخصوصًا في الشمال. والنتيجة – بكل وضوح – كانت سقوطًا مدوّيًا لتلك النخب التي طالما قدّمت نفسها بوصفها ضمير المجتمع وقائد وعيه.
لقد كشفت السنوات الماضية أن جزءًا كبيرًا من النخبة المثقفة في الشمال يعيش حالة انفصال شبه كامل عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يعانيه الناس. انفصالٌ لم يكن عابرًا، بل كان بنيويًا، نتج عنه خطاب نظري متعالٍ، ولغة خشبية لا تمسّ وجع الشارع، ولا تعبّر عن معاناة المواطن البسيط.
الأزمة عرّت هذا الخطاب، وأسقطت الأقنعة. فالمثقف، حين يُختبر في اللحظات المفصلية، يُفترض أن يكون الأكثر قربًا من الحقيقة، والأقدر على تفكيك الواقع لا القفز فوقه. غير أن ما شهدناه كان العكس تمامًا: تحليلات بعيدة عن المنطق السوي، قراءات مبتورة للوقائع، ومحاولات مستمرة لتجميل الفشل أو تبريره بدل مواجهته بجرأة.
الأخطر من ذلك أن كثيرًا من هؤلاء صنعوا حول أنفسهم هالة من الشهرة والضوء، لا لتنوير المجتمع، بل لتحقيق الزهو الشخصي والمكاسب الرمزية والمادية. تحوّل المثقف من شاهدٍ على عصره إلى متفرّجٍ انتهازي، ومن ناقدٍ للسلطة إلى جزءٍ من لعبة التبرير والتضليل.
وأنت تتابع ما يكتبونه أو تسمعه في منابر الإعلام ووسائل التواصل، ينتابك شعور صريح بأنهم لا يعيشون في هذا البلد، ولا ينتمون إلى واقعه أصلًا. وكأن بلادهم بالنسبة لهم فكرة مجردة، أو مادة للكتابة التنظير فحسب.
في المقابل.لا يمكن تحميل رجال السياسة وحدهم مسؤولية هذا السقوط. فالساسة. في اليمن – على سوء أدائهم – مارسوا أدوارهم التقليدية المعتادة عبر التاريخ .
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع في أوقات الأزمات هو سقوط نخبته المثقفة؛ لأن ذلك يعني فقدان البوصلة، وضياع الوعي الجمعي،
من هنا، يمكن القول بثقة: إن الذين سقطوا في هذه الأزمة ليسوا رجال السياسة فقط، بل – وربما قبلهم – النخب المثقفة في الشمال، حين اختارت الانفصال عن الواقع بدل الاشتباك الصادق معه، وفضّلت النجاة الفردية على المسؤولية التاريخية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى