مقالات

وداعاً “شاعر المكلا”.. أحمد سعيد بوسبعة

كتب: صـلاح مبارك

بينما ينساب الوقت بهدوء الصائمين، في عصرية رمضانية ساكنة ،باغت الوسط الثقافي والاجتماعي خبرٌ فاجع، نزل كالصاعقة على “المكلا” خاصة، وعلى حضرموت والوطن عامة؛ رحيل الشاعر التربوي القدير أحمد سعيد بوسبعة، أحد عمالقة الزمن الجميل، وفارس الكلمة الذي ترجل عن صهوة الحياة بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع.

لم يكن الفقيد “بوسبعة” مجرد ناظمٍ للقوافي، بل كان ظاهرة إبداعية متعددة الأبعاد، تجلى عطاؤه في قدرة فائقة على تطويع الكلمة واللحن معًا ، و صاغ سيرةً عطرة طرّزها بالوفاء لدينه ووطنه ومدينته “المكلا” التي عشقها فبادلته عشقًا بعشق.

لقد كان الراحل امتدادًا لجيل الرواد من شعراء المكلا الكبار، أمثال باحريز، وبانبوع، وبامحيسون، وبكير، وغيرهم. إلا أنه لم يكتفِ بالوقوف في ظلهم، بل شقّ لنفسه مسارًا خاصًا ، متميزًا بنبرة متفردة ورؤية فنية مزجت بين رصانة الأصالة وروح الحداثة، مكرسًا حياته لخدمة المجتمع عبر أدوار تربوية، ورياضية، وإدارية، جعلت منه شخصية اجتماعية محبوبة، وقريبة من قلوب كل من عرفوه.

و يظل ديوان الشاعر الراحل “شوقتني المكلا… كيف لا أشتاق” شاهدًا حيًا على عمق ارتباطه بمدينته “المكلا” ، ومن خلال قصيدته الشهيرة التي حملت ذات العنوان، وتغنى بها الفنان الراحل سالم علي بازياد، صاغ بوسبعة أيقونة خالدة في حب المكلا، حيث يقول بتلقائية المبدع :
شوقتني المكلا وكيف لا… أشتاق
شوقتني المجالس وزادت… الأشواق
هيا عسى بالتلاق يا فرحة… المشتاق
ولم يقتصر إبداعه على الوجدان العاطفي، بل كان “شاعر المناسبات” بامتياز، حاضرًا في مختلف الفعاليات ومنها المحافل الدينية بمدائحه النبوية في مسجد الروضة، ومشاركًا في الهمّ الاجتماعي العام، معبرًا بصدق عن نبض الشارع وتطلعاته.

وقد حظيت تجربة بوسبعة بتقدير رسمي ، تمثل في نيله درع صنعاء عاصمة الثقافة العربية (2004م)، وتكريم وزارة الثقافة (2008م)، ومنحه لقب “ملك الشعراء والمبدعين” ، ولعل أسمى آيات الوفاء تجلت في قرار تسمية أحد الشوارع الرئيسية في المكلا باسمه، ليبقى اسمه محفورًا في جغرافيا المكان كما هو محفور في الذاكرة الأدبية.

و بعيدًا عن الأضواء، كان أحمد بوسبعة مدرسة في الأخلاق والسمو .. عرفته مجالس المكلا رجلًا مهيبًا، ذا حكمة ووقار وبساطة، يمتلك قدرة فريدة على الإنصات وتشجيع المواهب الشابة وجبر الخواطر.. كان – رحمه الله – قريبًا من الجميع، يوزع ابتساماته وحفاوته على محبيه ، محتفظًا بتواضع الكبار رغم مكانته السامقة.

ولعل لي تجربة شخصية معه، حين جمعتنا الهيئة الإدارية لنادي المكلا الرياضي إبان عصره الذهبي بقيادة الفقيد حسين سالم باغويطة؛ ففي الوقت الذي كنت أتولى فيه مسؤولية الدائرة الثقافية والإعلامية، كان الفقيد خير سند ومشجع لي في إقامة المسابقات الثقافية التي كان يحتضنها سطح النادي، وسط حضور جماهيري من شباب المدينة، في زمنٍ كان يقدّر الكلمة ويحتفي بالمبدعين..

رحل فقيدنا احمد سعيد بوسبعة في هدوء يشبه نقاء سريرته، يوم السبت 11 رمضان 1447هـ (28 فبراير 2026م). وفي مشهد جنائزي مهيب، ودعه المحبون في مقبرة الشيخ يعقوب بعد صلاة التراويح، وسط دعوات بأن يتغمده الله بواسع رحمته.

لقد خسرت حضرموت منارة ثقافية وإنسانية ، لكن عزاءنا أن الشاعر أحمد سعيد بوسبعة لا يغيبه الموت؛ فقصائده ستظل تُغنى، واسمه سيظل يتردد مع كل نسمة تشتاق إلى المكلا ، رحمة الله عليه، وجعل الجنة مثواه، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى