صمتٌ مريب… وأقنعة تساقطت في سقطرى

كتب: صالح جميل
في مشهد يختصر حجم التناقض اختفى فجأة أولئك الذين ملأوا الفضاء ضجيجًا باسم “السيادة الوطنية”، وغاب أولئك الذين كانوا يرفعون أصواتهم يوميًا بالحديث عن “احتلال سقطرى”، وتوارت أقلامٌ سقطرية كانت لا تهدأ على منصات التواصل تصرخ وتزايد وتُخوّن حتى خيل للناس أن الجزيرة على حافة الهاوية.
اليوم… أين هم؟
أين ذهبت تلك الحناجر التي لم تكن تصمت؟ وأين تلاشت تلك المنشورات التي كانت تتدفق كالسيل تهاجم كل جهد وتشكك في كل خطوة وتقلل من أي دعم يصل إلى المواطن السقطري؟
هل انتهت “المعركة” فجأة؟ أم أن الحقيقة ظهرت فسقطت الأقنعة ومعها سقطت كل الشعارات الجوفاء؟
لقد كان أبناء سقطرى رغم بساطة حياتهم يدركون جيدًا من يقف معهم على الأرض ومن يكتفي بالشعارات من خلف الشاشات كانوا يرون الدعم وإن كان محدودًا يلامس حياتهم اليومية يخفف عنهم أعباء العيش ويوفر الحد الأدنى من الاستقرار ومع ذلك لم يسلم هذا الدعم من سهام النقد والتقليل بل وصل الأمر بالبعض إلى السخرية منه واعتباره “هزيلاً”.
واليوم… لا دعم، لا حوافز، لا رواتب منتظمة، ولا حتى صوت أولئك المنتقدين.
اختفوا تمامًا.
سقطرى اليوم تُترك لتصارع الحياة وحدها، في ظل غياب واضح للخدمات وتراجع في مستوى المعيشة وصمت رسمي يثير الكثير من علامات الاستفهام المواطن السقطري لم يعد يسأل عن الشعارات الكبيرة بل يسأل سؤالًا بسيطًا ومشروعًا:
إلى أين نمضي؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الواقع؟
الدولة التي غابت لعقود وعاد حضورها اليوم كان يُفترض أن تأتي بحلول أن تعوض سنوات الغياب، أن تُثبت أنها قادرة على إدارة الملف الخدمي والإنساني بمسؤولية. لكن ما يراه الناس على الأرض شيء آخر: وعود لم تُنفذ، وخدمات شبه معدومة، ومعاناة تتفاقم يومًا بعد يوم.
أما أولئك الذين كانوا يملؤون الدنيا ضجيجًا، فقد اختاروا الصمت.
صمتٌ لا يمكن تفسيره إلا بأنه هروب من مواجهة الحقيقة أو اعتراف ضمني بأن ما كانوا يرددونه لم يكن سوى شعارات للاستهلاك السياسي.
إن أخطر ما يواجهه المجتمع ليس فقط تراجع الخدمات بل تضليل الوعي حين تتحول الأقلام إلى أدوات مزايدة، وحين تُستخدم المعاناة لتحقيق مكاسب ضيقة، فإن النتيجة تكون فقدان الثقة وترك المواطن وحيدًا في مواجهة مصيره.
سقطرى اليوم لا تحتاج إلى أصوات موسمية، تظهر عند الإثارة وتختفي عند الحقيقة.
ولا تحتاج إلى شعارات “سيادة” تُرفع في الخطابات وتغيب في الواقع.
بل تحتاج إلى موقف صادق، ومسؤولية حقيقية، والتزام واضح تجاه الإنسان الذي أنهكته الوعود.
لقد آن الأوان لطرح السؤال بوضوح:
من كان صادقًا مع سقطرى؟ ومن كان يتاجر بها؟
وفي ظل هذا الصمت الثقيل، يبقى صوت المواطن السقطري هو الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن إخفاؤها… صوتٌ يطالب بالكرامة، بالخدمات، وبحياة تليق بهذه الجزيرة وأهلها.
