آداب و ثقافة
«القضية الجنوبية» في شعر القاضي: «إخوة يوسف» نموجاً
[su_label type=”info”] سما نيوز /عبده يحي الدباني[/su_label][su_spacer size=”10″]
لقضية الجنوب العادلة حضورها البارز في شعر رائد القاضي الموجود بين يدي، وهو ديوانه الأول «النقش بحافر جواد امرئ القيس» الذي ما يزال مخطوطاً لم يطبع وينشر بعد برغم أهليته لذلك.
كثير من المثقفين والنقاد يطرحون ان الشعر الفصيح والأدب الفصيح عموماً في الجنوب، لم يتبن القضية بقوة كما تبناها الشعر الشعبي من أول يوم وأظهرها للشعب، وهذا صحيح، فالشعر العامي كان سباقاً إلى ذلك ثم إنه كان سيلاً جارفاً من حيث كمه الهائل، ولكن الشعر الفصيح لم يغب غياباً كاملاً عن مشهد القضية ومسيرتها، فهناك شعراء جنوبيون شباباً وكهولاً، تخللت أشعارهم مسيرة قضية شعبهم، ومِن هؤلاء الشعراء شاعرنا رائد القاضي، الذي سنقف في هذه المقالة أمام قصيدة واحدة فقط من قصائده النضالية الرصينة، التي أسماها «إخوة يوسف».
«أخا العتب فات أوان المقال
لقد سبق العتب قبح الفعال
وقد مزق الغدر ميثاقنا
أما زلت تهوى وترجو الوصال؟
وقد كان سفاحكم فاتحا
وكنتم اسنته والنصال
وقد حكم الشعب في عهده
بكيد النساء ومكر الرجال
ولم يسلم الدين من زيفكم وتلفيقكم يا دعاة الضلال».
هكذا تبدأ القصيدة بداية صادمة للمخاطب من خلال النداء المحذوفة أداته، فقد حمل الشطر الأول من البيت الأول أسلوباً إنشائياً وأسلوباً خبريا بتكثيف شعري مدهش، والمخاطب هنا جاء بصيغة المفرد ولكنه يعني الجمع وهم الشماليون الذين ما برحوا يعيبون على الجنوبين مطالبتهم باستعادة دولتهم ويهاجمونهم ويسخرون من ثورتهم .
لقد بدأ الشاعر مدافعاً لا مهاجماً، ولكنه دفاعاً أشد من الهجوم تأثيراً، ثم توالت حجج الشاعر التي سبكها في جمل شعرية موجزة وموقعة، فهذا العتب الذي يبديه إخواننا في الشمال على الجنوبين قد سبقه (قبح الفعال)، ولك أن تضع خطوطاً تحت هذا التركيب، فما أكثر الأفعال القبيحة التي ارتكبها نظام صنعاء بحق الجنوب وشعبه !
ثم يردف الشاعر ذلك بالغدر الذي مزق الاتفاق والميثاق .
أشطر قليلة في هذا المطلع تلخص فشل الوحدة وغدر الطرف الشمالي بالطرف الجنوبي، والنظام وتوظيف الدين لمآرب سياسية وغير ذلك. ولم يدع الشاعر للعاتبين من مسوغ لعتابهم لأنهم كانوا وسائل النظام في فعل ما فعل بغزو الجنوب واستباحته وظلمه، حتى قامت ثورته، فنعق الناعقون عتاباً لا وجه له .
لاحظ هذا السؤال الإنكاري الساخر: «أما زلت تهوى وترجو الوصال؟ فذلك طمع إبليس في الجنة!» ومثلما يردد الشماليون، بما في ذلك السياسيون والمثقفون، بأن الجنوبيين (دعاة الإنفصال)، فإن الشاعر يصفهم هنا وهو يخاطبهم (يا دعاة الضلال)، لقد ضلوا وأضلوا ولكن في الدين نفسه حين حرفوه ووظفوه للمصالح الدنيوية .
لم يستغن الشاعر عن التصريع في البيت الأول وهو يتحلل من الوحدة المصروعة، فهو ملتزم بقواعد الفن ولم ينسه استفزاز الطرف الآخر تقاليد الفن وأخلاق الحوار والجدل؛ قد كثرت الضمائر التي تدل على الطرف الآخر (سفاحكم، زيفكم، تلفيقكم، تهوى، ترجو، كنتم)، وكادت تنعدم الضمائر التي تجمع الأنا والآخر في ضمير واحد هو (نحن )، إلا في: «وقد مزق الغدر ميثاقنا»، فكلمة «ميثاقنا» تدل على الطرفين معاً، ولكن هذا الميثاق قد مزقه الغدر فلم يعد له أي وجود .
«أتعتذر اليوم لا حيلة … لديك فما ذاك إلا ابتذال
وقد سدت ماسدت في نشوة … بنصر وهل كان غير احتيال
تسمونه النصر لكنه … صغار ومنقصة واستفال
أيا سيد الحرف ماذا ترى … سؤالاً يحدق حول السؤال
أحدثك الآن عن واقع … وأنت تحدثني عن خيال».
قد سبق السيف العذل، ولات ساعة مندم كما قالت العرب، فلا مجال ولا حيلة للإعتذار، فالشعوب والأوطان لا تلقى في مهب الريح باعتذار عقيم أو ندم كاذب .
كانت الوحدة حلماً ثم صارت كابوساً بعدما قضت عليها الحرب، وها هي اليوم ضرباً من الوهم، فشتان بين الوهم والواقع، فانظر تجد أن الشاعر يتمتع بواقعية خلاقة بينما الصوت الآخر لا يزال يغرق في خيال عقيم، مع أن الخيال عادة ارتبط بالشعر والواقعية بالسياسة، لكن واقعية الشعر هنا غلبت خيال السياسة الفارغ من أي إبداع بل هو محض مكر .
«أيطربك الذبح يا سيدي
تعالى فقص الوريد تعال
لقد وئد الحلم في مهده
وشاخ الزمان وطال المطال
ولم يبق من رقص حكامكم
على وجع الشعب غير النعال».
وبعدما قطع الشاعر دابر الأوهام التي يتحجج بها طرف الوحدة الغادر، وبعد أن فكك ما يسميه ذلك الطرف نصراً فعاد منقصة وهزيمة أخلاقية وتاريخية، مضى واعياً بالوسائل الأخرى التي لجأ إليها ذلك الطرف باستمرار وحدة الضيم وفرضها، ومنها البطش والقتل، فعمد الشاعر الى إبطالها من خلال مواجهتها ومن خلال معرفة حركة التاريخ التي لا تعود إلى الوراء، فقد «تلاشى الراقصون… ولم تبق إلا نعالهم»، وهي صورة شعرية تضخ معاني عديدة محتملة .
«أخا الغدر لم يبق لي منطق
يبوح إليك بأي احتمال
فدع عنك هذا الهراء ولا
تمنوا مطامعكم بالمحال
ألا تعرف الهاشمي الذي
غزا فاتحاً من شمال الشمال؟
أجيز له الملك من (فارس)
ومن (تبع) فاهنئي يا أزال
خذوا منهم الخبز في ذلة
ولا تشتموا عمراً أو بلال» .
ومن «أخا العتب» إلى «أخا الغدر» لم يغادر الشاعر ساحة الأخوية، فهو كما ذكرنا صاحب أخلاق وقيم فنية وعربية وإسلامية وإنسانية، ولكن ذلك الأخ المخاطب قد ارتبط بالعتب الماكر مرة، وبالغدر مرة والجرح مرة؛ بيد أن ذلك لم يخرجه من دائرة الأخوية بل أخرجه من دائرة الدولة الواحدة الفاشلة، فإن الشاعر وشعبه لم يروا منها سوى الغدر والمكر والجرح النازف، وبهذه اللغة التي لا تخلو من نصح وحلم وتفنيد، يتوجه الشاعر إلى الطرف المعاند المتربص الواهم، الذي سيفقد أرضه ووطنه ودولته، وهو يلهث وراء السيطرة على الجنوب، وهذا جنون سياسي إذا جاز التعبير، وعقدة سياسية ومجتمعية لدى الإخوة في الشمال، غرسها فيهم النظام عبر السنين والأيام.
ها هو الشاعر يذكر هؤلاء المعاندين المتربصين بسيدهم الهاشمي الذي عصف بدولتهم وجمهوريتهم، وعاد إلى استعبادهم مرة أخرى، وهذا وحده يكفي سبباً لنهاية الوحدة مع الشمال، بعد انهيار الوحدة والجمهورية معاً .
«أخا الجرح لم يبق من شوقنا
سوى وجع نازف واعتلال
ولم يبق إلا دم يغتلي
ويصرخ بالشعب قم للنضال
ألا تسمع الزحف يا صاحبي
يبشر طغيانكم بالزوال».
وهنا في المقطع الأخير يستمر الخطاب الحاسم كحد السيف، ويعود الضمير (نا)، ولكنه هنا لا يخص الطرفين معاً بل يخص الجنوب وحده، أي الجنوبيين الذين يعبر عنهم الشاعر (رائد) والرائد لا يكذب أهله، «ولم يبق إلا دم يغتلي»، لقد تحول الجنوب كله إلى محض ثورة يهدر زحفها طارداً الطغيان.
هكذا يشدنا الشاعر بهذه القصيدة الخطابية الثائرة، التي برغم عنفوانها فإنها كانت واقعية جمعت بين الجمال والعقل، مثل فتاة جميلة عاقلة ذات خلق، تموجت ببحرها المتقارب وموسيقاه السهلة الشجية، وببلاغة السؤال الذي يحمل الأجوبة والجواب الذي يثير الأسئلة.
المصدر/العربي
كثير من المثقفين والنقاد يطرحون ان الشعر الفصيح والأدب الفصيح عموماً في الجنوب، لم يتبن القضية بقوة كما تبناها الشعر الشعبي من أول يوم وأظهرها للشعب، وهذا صحيح، فالشعر العامي كان سباقاً إلى ذلك ثم إنه كان سيلاً جارفاً من حيث كمه الهائل، ولكن الشعر الفصيح لم يغب غياباً كاملاً عن مشهد القضية ومسيرتها، فهناك شعراء جنوبيون شباباً وكهولاً، تخللت أشعارهم مسيرة قضية شعبهم، ومِن هؤلاء الشعراء شاعرنا رائد القاضي، الذي سنقف في هذه المقالة أمام قصيدة واحدة فقط من قصائده النضالية الرصينة، التي أسماها «إخوة يوسف».
«أخا العتب فات أوان المقال
لقد سبق العتب قبح الفعال
وقد مزق الغدر ميثاقنا
أما زلت تهوى وترجو الوصال؟
وقد كان سفاحكم فاتحا
وكنتم اسنته والنصال
وقد حكم الشعب في عهده
بكيد النساء ومكر الرجال
ولم يسلم الدين من زيفكم وتلفيقكم يا دعاة الضلال».
هكذا تبدأ القصيدة بداية صادمة للمخاطب من خلال النداء المحذوفة أداته، فقد حمل الشطر الأول من البيت الأول أسلوباً إنشائياً وأسلوباً خبريا بتكثيف شعري مدهش، والمخاطب هنا جاء بصيغة المفرد ولكنه يعني الجمع وهم الشماليون الذين ما برحوا يعيبون على الجنوبين مطالبتهم باستعادة دولتهم ويهاجمونهم ويسخرون من ثورتهم .
لقد بدأ الشاعر مدافعاً لا مهاجماً، ولكنه دفاعاً أشد من الهجوم تأثيراً، ثم توالت حجج الشاعر التي سبكها في جمل شعرية موجزة وموقعة، فهذا العتب الذي يبديه إخواننا في الشمال على الجنوبين قد سبقه (قبح الفعال)، ولك أن تضع خطوطاً تحت هذا التركيب، فما أكثر الأفعال القبيحة التي ارتكبها نظام صنعاء بحق الجنوب وشعبه !
ثم يردف الشاعر ذلك بالغدر الذي مزق الاتفاق والميثاق .
أشطر قليلة في هذا المطلع تلخص فشل الوحدة وغدر الطرف الشمالي بالطرف الجنوبي، والنظام وتوظيف الدين لمآرب سياسية وغير ذلك. ولم يدع الشاعر للعاتبين من مسوغ لعتابهم لأنهم كانوا وسائل النظام في فعل ما فعل بغزو الجنوب واستباحته وظلمه، حتى قامت ثورته، فنعق الناعقون عتاباً لا وجه له .
لاحظ هذا السؤال الإنكاري الساخر: «أما زلت تهوى وترجو الوصال؟ فذلك طمع إبليس في الجنة!» ومثلما يردد الشماليون، بما في ذلك السياسيون والمثقفون، بأن الجنوبيين (دعاة الإنفصال)، فإن الشاعر يصفهم هنا وهو يخاطبهم (يا دعاة الضلال)، لقد ضلوا وأضلوا ولكن في الدين نفسه حين حرفوه ووظفوه للمصالح الدنيوية .
لم يستغن الشاعر عن التصريع في البيت الأول وهو يتحلل من الوحدة المصروعة، فهو ملتزم بقواعد الفن ولم ينسه استفزاز الطرف الآخر تقاليد الفن وأخلاق الحوار والجدل؛ قد كثرت الضمائر التي تدل على الطرف الآخر (سفاحكم، زيفكم، تلفيقكم، تهوى، ترجو، كنتم)، وكادت تنعدم الضمائر التي تجمع الأنا والآخر في ضمير واحد هو (نحن )، إلا في: «وقد مزق الغدر ميثاقنا»، فكلمة «ميثاقنا» تدل على الطرفين معاً، ولكن هذا الميثاق قد مزقه الغدر فلم يعد له أي وجود .
«أتعتذر اليوم لا حيلة … لديك فما ذاك إلا ابتذال
وقد سدت ماسدت في نشوة … بنصر وهل كان غير احتيال
تسمونه النصر لكنه … صغار ومنقصة واستفال
أيا سيد الحرف ماذا ترى … سؤالاً يحدق حول السؤال
أحدثك الآن عن واقع … وأنت تحدثني عن خيال».
قد سبق السيف العذل، ولات ساعة مندم كما قالت العرب، فلا مجال ولا حيلة للإعتذار، فالشعوب والأوطان لا تلقى في مهب الريح باعتذار عقيم أو ندم كاذب .
كانت الوحدة حلماً ثم صارت كابوساً بعدما قضت عليها الحرب، وها هي اليوم ضرباً من الوهم، فشتان بين الوهم والواقع، فانظر تجد أن الشاعر يتمتع بواقعية خلاقة بينما الصوت الآخر لا يزال يغرق في خيال عقيم، مع أن الخيال عادة ارتبط بالشعر والواقعية بالسياسة، لكن واقعية الشعر هنا غلبت خيال السياسة الفارغ من أي إبداع بل هو محض مكر .
«أيطربك الذبح يا سيدي
تعالى فقص الوريد تعال
لقد وئد الحلم في مهده
وشاخ الزمان وطال المطال
ولم يبق من رقص حكامكم
على وجع الشعب غير النعال».
وبعدما قطع الشاعر دابر الأوهام التي يتحجج بها طرف الوحدة الغادر، وبعد أن فكك ما يسميه ذلك الطرف نصراً فعاد منقصة وهزيمة أخلاقية وتاريخية، مضى واعياً بالوسائل الأخرى التي لجأ إليها ذلك الطرف باستمرار وحدة الضيم وفرضها، ومنها البطش والقتل، فعمد الشاعر الى إبطالها من خلال مواجهتها ومن خلال معرفة حركة التاريخ التي لا تعود إلى الوراء، فقد «تلاشى الراقصون… ولم تبق إلا نعالهم»، وهي صورة شعرية تضخ معاني عديدة محتملة .
«أخا الغدر لم يبق لي منطق
يبوح إليك بأي احتمال
فدع عنك هذا الهراء ولا
تمنوا مطامعكم بالمحال
ألا تعرف الهاشمي الذي
غزا فاتحاً من شمال الشمال؟
أجيز له الملك من (فارس)
ومن (تبع) فاهنئي يا أزال
خذوا منهم الخبز في ذلة
ولا تشتموا عمراً أو بلال» .
ومن «أخا العتب» إلى «أخا الغدر» لم يغادر الشاعر ساحة الأخوية، فهو كما ذكرنا صاحب أخلاق وقيم فنية وعربية وإسلامية وإنسانية، ولكن ذلك الأخ المخاطب قد ارتبط بالعتب الماكر مرة، وبالغدر مرة والجرح مرة؛ بيد أن ذلك لم يخرجه من دائرة الأخوية بل أخرجه من دائرة الدولة الواحدة الفاشلة، فإن الشاعر وشعبه لم يروا منها سوى الغدر والمكر والجرح النازف، وبهذه اللغة التي لا تخلو من نصح وحلم وتفنيد، يتوجه الشاعر إلى الطرف المعاند المتربص الواهم، الذي سيفقد أرضه ووطنه ودولته، وهو يلهث وراء السيطرة على الجنوب، وهذا جنون سياسي إذا جاز التعبير، وعقدة سياسية ومجتمعية لدى الإخوة في الشمال، غرسها فيهم النظام عبر السنين والأيام.
ها هو الشاعر يذكر هؤلاء المعاندين المتربصين بسيدهم الهاشمي الذي عصف بدولتهم وجمهوريتهم، وعاد إلى استعبادهم مرة أخرى، وهذا وحده يكفي سبباً لنهاية الوحدة مع الشمال، بعد انهيار الوحدة والجمهورية معاً .
«أخا الجرح لم يبق من شوقنا
سوى وجع نازف واعتلال
ولم يبق إلا دم يغتلي
ويصرخ بالشعب قم للنضال
ألا تسمع الزحف يا صاحبي
يبشر طغيانكم بالزوال».
وهنا في المقطع الأخير يستمر الخطاب الحاسم كحد السيف، ويعود الضمير (نا)، ولكنه هنا لا يخص الطرفين معاً بل يخص الجنوب وحده، أي الجنوبيين الذين يعبر عنهم الشاعر (رائد) والرائد لا يكذب أهله، «ولم يبق إلا دم يغتلي»، لقد تحول الجنوب كله إلى محض ثورة يهدر زحفها طارداً الطغيان.
هكذا يشدنا الشاعر بهذه القصيدة الخطابية الثائرة، التي برغم عنفوانها فإنها كانت واقعية جمعت بين الجمال والعقل، مثل فتاة جميلة عاقلة ذات خلق، تموجت ببحرها المتقارب وموسيقاه السهلة الشجية، وببلاغة السؤال الذي يحمل الأجوبة والجواب الذي يثير الأسئلة.
المصدر/العربي
