ليالي المحروسة 8.

رواية / بقلم / انديرا السالمي
اسرعت الاختان نجوى ونادية الخطى لمقهاية العم ابو فضل اللحجي بائع الفول،كان المكان الذي تقع فيه المقهاية يكاد يعيش في شبة عزلة عما يحيط به من امور وشؤون الدنيا ورغم ذلك يضج بحياته الخاصة حيث يتفرع من اعماقه جذور الحياة اللحجية بمختلف اشكالها..
على يمين المقهاية يقبع بيت الحاجة ام سالم بائعة الخمير الذي تنبعث منه تلك الرائحة الزكية للخمير اللحجي الطازج الخارج للتو من النوفا،تداعب رائحته اعماق معدتك قبل انفك
امام المقهاية دكان متهالك للعم(العاقل) رجل ابيض خمسيني نحيل طيب الهيئة والقلب،بجانب دكان عم العاقل دكان صغير للحلاقة يعد صالونا انيقا في ذلك المكان بمقعده ومرآته وصاحبه ذو الشعر الابيض عليه اثار صبغة الحناء
اما مقهاية العم ابوفضل اللحجي نفسها فانها تنقسم الى قسمين،قسم تتناثر عليه طاولات خشبية مهترئة طويلة تتسع لعدة اشخاص،يقوم على طلبات الزبائن ابن صاحب المقهاية الصبي(فضل)صبي اسمر نحيل في الحادية عشرة من عمره يعمل بكل همة وخفة من طاولة لاخرى دون كلل او ملل،يملك صوتا عذبا يشدو به اثناء عمله،لا مانع ان يتوقف بين حين واخر ليتفرس في وجوه الزبائن ليرى اثر غناءه عليهم.ستجد ان صوته يصبح اكثر عذوبه عندما يأتين فتيات الاحياء المجاورة لشراء الفول من والده،ويفتر فمه عن ابتسامة ترى من خلالها اصفرار اسنانه المتراصة الواحدة فوق الاخرى بشكل غريب بينما القسم الاخر من المقهاية تتقدمه قدرة الفول الضخمة لا ينافس ضخامتها الا كرش العم ابو فضل ذا الوجه المكتنز والعينان الضيقتان تنظران اليك بذبول وهما تتنقل من القدرة الى طاسة الزبون بسرعة وخفة
يتدلى من السقف على رأس العم ابو فضل مصباح كهربائي عشش العنكبوت باسلاكه،المهم انه يرسل اضاءة خافتة تمكنه من عد النقود ووضعها بامان في مكانها المخصص لها
امسكت نجوى بكتف اختها مستوقفة اياها،نظرت نادية اليها متسائلة
-انتظري حتى يدب المكان بالحركة ويزداد زبائن عم ابو فضل
-ولماذا؟
-حتى يكون تأثير ماسنقوم به عظيما
-آها،فهمت
وقفت الفتاتان تنظران يمنة ويسرة وكانهما تعدان الزبائن القادمين للمقهاية.
كان صوت الصبي فضل جميلا مع نسمات الهواء اللطيفة وهو يشدو بتلك الاغنية اللحجية الجميلة:
كم يقولي الليل يا ولهان توب…. وهو يحمل لاحد الزبائن صحن مليئ بالفول وعليه السليط الحالي وارغفة الخمير وكوب من الشاي الاحمر.
يبدو ان اللحظة قد حانت،تقدمت نجوى الى جانب العم ابو فضل نظر اليها بعينيه الذابلتين ومد يده ليتناول منها طاستها،ناولته الطاسة،اخرج الملعقة من القدر الضخم وملئ طاستها بالكمية المعتادة من الفول وناولها اياها
(بصيغة اقرب للأمر)ضاعف الكمية،هذا ليس عدلا
نقل عينيه بصعوبه من طاستها الى عينيها: هذه الكمية بمقدار نقودكما،كالمعتاد
-لن تخدعني ككل مرة،ضاعف الكمية والا اخبرت رواد المقهاية وسكان الحي وما جاوره بما رأيتُ
فتح عيناه الضيقتان متساءلا: بما رأيتي؟!وماذا رأيتي ان شاء الله ؟!!
اقتربت منه وهمست باذنه: رأيتُ فأرا كبيرا سقط الى قدر الفول ورايتك تخرجه بسرعه قبل ان يراك احد ما
-اسمعي ياهذه،اغربي عن وجهي قبل ان اكسر اسنانك(وبصوت عالي):هيا اذهبي من هنا
التفتت نجوى الى اختها واشارت لها بعينيها وكانها تخبرها بان دورها قد حان.
صاحت نادية باعلى صوتها: فأر كبير ياجماعة،فأر كبير ياناس،هنا واشارت الى قدر الفول
نظرت نجوى بتحدٍ الى عم ابو فضل المذعور،رباه ماهذا الذي يحدث،سيصدق الجميع ماتقوله هاتان الصبيتان اللعينتان،يا الهي ستتشوه سمعته وسمعة فوله بسبب هذه التصرفات الشيطانية
-هاتي هاتي طاستك ايتها الملعونة ساضاعف لك الكمية…
جاء فضل صبي المقهاية بهمة ماسكا عصاً اطول منه مبديا شجاعته امام الفتيات المرتصات خلف نجوى ونادية
نادية: لا عليك يافضل،اكمل عملك،يبدو انه هرب الى خلف جدار المقهاية للشارع الخلفي
تناولت نجوى طاستها بعد ان ضاعف لها الكمية وتبادلا النظرات،نظرات الحنق الممزوجة بالغضب منه ونظرات الانتصار الممزوجة بالفرح منها.
رفعت نجوى كعادتها من على جبينها بعض من خصلات شعرها للوراء وخاطبت فضل صبي المقهاية بينما عيناها مثبتتان بتحدٍ على والده: لديك صوت جميل عذب يافضل،هلا اسمعتنا اغنية:
ليه ياهذا العنود،ليه مرة ماتجود،جود لي حتى قليل
تعمدت هي اختيار هذا البيت من الاغنية لايصال مغزى معين لوالده بينما تلقف ولده فضل هذا البيت بكل زهو وتنحنح وكانه يدعو الجميع للانصات له:
ليه وردك والخدود
شدت نادية على ظفيرة اختها لتنبهها بضرورة المغادرة قبل ان يُكتشف امرهما واسرعتا الخطى في طريق عودتهما الى المنزل…
يتبع..
