ليالي المحروسة 10

رواية/بقلم/انديرا السالمي
سبح اذان الفجر بغتةً فوق امواج الليل الهادئة،فتحت رقية عينيها وقامت تتأهب لصلاة الفجر،لم تفرش سجادتها فقط بل فرشت معها جميع امانيها ودعائها وانحدرت دمعتها على خدها وهي تناجيه سرعان ما مسحتها خشية ان تراها احدى بناتها وهي المتظاهرة دوما بالقوة لاجلهن،كيف لفتيات صغيرات يستمدن قوتهن من مظهر امهن الصلب ان يرين امهن بهذا الضعف حتى وان كان ضعفا محببا يتذلل فيه مخلوق لخالقه،شردت للحظات وسألت نفسها اي عمل يمكنها ان تجيده تكسب من خلاله رزقا حلالا يمكّنها من الحاق بناتها بالمعلامة ومن ثم المدرسة؟
عادت بذاكرتها الى الوراء الى ايام طفولتها،تذكرت انها كانت تجيد اعمال العَزَف في صنع زنابيل الحلوى اللحجية من اوراق النخيل،كما انه لها نفَس فريد في الطبخ،هنا طوت سجادتها وشعرت بطاقة غريبة تشتعل داخلها لقد وجدت اخيرا الحل..
ايقظت بناتها بابتسامة نشيطة: هيا يا بُنياتي،استيقظن،لدي الكثير لاقوله لكُن.
كان ضوء الشمس المرسوم على الارض قد انسحب الى الجدار عندما تحلقن بناتها حولها وعيونهن تستجليان سر تلك الومضة المشرقة في عيني امهن.
بدأت رقية حديثها:
ستلتحقن بالمعلامة ومن ثم المدرسة(قالتها بصيغة العزم والتأكيد وليس بصيغة التخيير او اخذ رأيهن)
التفتن الفتيات كل واحدة للاخرى ووميض من السعادة اختلط بلفتاتهن،تلك السعادة استمدنها من ثقة امهن
-ومن اين لنا يا امي بنفقات كل ذلك؟
-ساعمل لاجلكن
-تعملين؟!!
-نعم،العمل ليس عيبا،لدينا هدف وعلينا تحقيقه
-واي عمل ستقومين به يا امي؟
رفعت رقية احد حاجبيها وتساءلت:
الا يعجبكن طبخي،الستن دائما تتلذذن بما اطبخه،الستن تنكرن ان يكون هناك طعام في الحي الذ مما اطبخه لكُن؟!!
(الثلاث بصوت واحد):بل الالذ في العالم كله،هناك سر ما في يديك يا امي…
-اذن ساطبخ البطاط بالحمر ونبيعه
تلفتن لبعضهن وصمتن لبرهة،قطعت نجوى الصمت وقالت بحماس: انا سابيع البطاط،لن ادع احد يخدعني
نادية: بل انا،سيخدعوك عند دفع النقود
نجوى: ولماذا سيخدعونني؟!
نادية: ستكونين مشغولة بالعراك مع من يحاول خداعك
قاطعتهن امهن: نادية ونجوى ستبيعان معا،بينما فوزية ستساعدني في المطبخ واعمال البيت،لقد كبرت فوزية ولا يصح ان تخرج للبيع في هذا السن…
فرحن البنات بالوظيفة الجديدة ومهمة كل واحدة منهن واردفت رقية وهي ساهمة ببصرها بعيدا:
ساعمل على شغل زنابيل الحلوى،ساتكلم مع صاحب محل الحلوى وسيقنعه جودة عملي
-متى سنبدأ يا امي؟
-(بنشاط):من الان،لقد فاتنا الكثير من الوقت
انتقل النشاط من الام الى بناتها وشعرن بان داخل امهن قوة ليست فقط كافية لتسندهن بل تستطيع ان تسند عالم باكمله…
حملت نادية(دست) البطاط بالحُمر وعلى يمينها نجوى حاملة لملعقتان وقطعة قماش نظيفة وكيس صغير خبأته في احد جيوب ثوبها لتضع فيه النقود وذهبن الى حيث الباعة من مختلف الاعمار والاجناس،احتارت نادية اين تضع دستها ووقع نظرها على مكان مناسب لمبتدئات يقع على مقربة من دكان(عم العاقل) افترشتا المكان وبدأت نجوى بمناداة الزبائن بصوت اقرب للصراخ،وكانها تنادي عليهم من على جبل شاهق:
بطاااط،بطاااط،بطاااط….
لم يرق وفود هاتان الفتاتان الجديدتان الى هذا المكان لباقي الباعة خاصة من يبيعون نفس البضاعة
حدجتهن احداهن بنظرات غاضبة،كانت بدينة الجسم،شعر منتصب اعلى جبهتها بشكل دائري كعبّاد الشمس،تقدمت اليهن وفي عينيها وعيد:
-ماذا تعملان هنا؟هيا هيا خذا ما جئتما به وعودا الى حيثما جئتما منه
نادية: ولمَ؟نحن لم نؤذِ احد،والارزاق على الله
-المكان لا يتسع لاحد جديد،ابحثا عن مكان اخر
نظرت نادية لاختها نجوى وكانها تسألها ما العمل
تجاهلت نجوى وجود تلك البدينة وواصلت صراخها: بطاااط،بطاااط
اغاظ الفتاة تصرف نجوى،كيف تجرؤ على تجاهلها،اقتربت من نجوى وشدتها من كتفها للوراء،وهمت بدست البطاط لتركله بقدمها،ربما كانت هذه الحركة متوقعة لنادية التي سارعت بحمله واحتضانه رغم سخونته بينما قفزت نجوى على ظهر تلك الفتاة البدينة وتعلقت برقبتها باحدى يديها بينما قبضت بيدها الاخرى على اطراف عباد الشمس القاسية مما دفعها للصراخ الماً وغيظا
كان هجوما مفاجئا لم تتوقعه تلك الفتاة وفي ملعبها وامام باقي الباعة،احست ان هيبتها اهتزت،حاولت ان تفك قبضة نجوى على رقبتها ولكن بدانتها حالت دون ذلك،احست وكأن هناك قرداً متشبتا برقبتها لا يمكنها الفكاك منه
قفزت نجوى من على رقبة الفتاة وهرولت مسرعة الى حيث الدست الذي تملكه تلك الفتاة مهددة اياها بركله وعيناها متوقدتان،هرعت الفتاة الى مكان رزقها محاولة الامساك بنجوى،هنا تدخل عم العاقل صاحب الدكان المجاور وصبي المقهاية(فضل) وبعض رواد المقهاية وبعض المارة لفض الاشتباك وتهدئة الوضع.
عم العاقل: اهدئن يا بنات لا داعي لافتعال المشاكل هنا يوميا
ابو فضل صاحب المقهاية:(موجها نظراته لنجوى) يكفي افتعال المشاكل والمعارك،طلب الرزق يحتاج الى الصبر،هيا تصالحن قبل ان يذهب الزبائن وتعدن بخفي حنين
اعادت الفتاةالبدينة ترتيب فوضى شعرها وثيابها بينما رفعت نجوى تحديا خصلات شعرها للوراء عن جبينها
لم تتقدم واحدة منهن نحو الاخرى،فما كان من عم العاقل الا ان جذبهن كل واحدة نحو الاخرى ليتصالحا وما بالقلب بالقلب،هنا وجدها فضل صبي المقهاية مناسبة لاستعراض مهاراته الغنائية وانشد:
ما احسن الايام ذي وحنا سدود
والذي قد فات ماضي لن يعود
قاطعته نجوى بصراخها منادية للزبائن:
بطاط،بطاط،بطاط
يتبع
