آداب و ثقافة

ليالي المحروسة 11

رواية/ بقلم/انديرا السالمي

لم تكتفِ رقية بمهنتي صنع زنابيل الحلوى وبيع البطاط،فالعام الدراسي اقترب مجيئه ولم تجهز له،فهناك الزي المدرسي والدفاتر والاقلام ناهيك عن رسوم دخول المعلامة لحفظ القران الكريم
عملت رقية على صنع الاكياس الورقية المصنوعة من بواقي اكياس الاسمنت فكانت تأخذهم ابنتاها وتبيعهما بجانب بيعهما للبطاط بينما امتهنت رقية مهنة جديدة وهي سحق مايسمى بالكشنة(البسباس الاخضر مع الثومة والكبزرة) يدويا وبيعها على اصحاب المقاهي التي تبيع الفول حيث يضيفها البائع الى صحن الفول فتضفي عليه مذاقا لذيذا مميزا.
لامانع ايضا من سحق البسباس الاحمر يدويا ايضا لبعض نساء الحي ممن يرسلنه مع بناتهن اليها لسحقه مقابل مردود مالي،ربما كانت هذه المهنة هي الاصعب والاشق لكن ما باليد حيلة،يجب ان يلتحقن بناتها بالمدارس طلبا للعلم،كانت مؤمنة بانه ليست هناك طريقة اخرى لتغيير حياتهن ومواجهة مصاعب الحياة الا بالعلم وحده لا غير،لهذا عليها ان تتحلى بالصبر و تتظاهر بالقوة، ومن كصبر رقية وقوة تحملها..
كانت الشمس قد مالت للمغيب،ولم يكد يبقى من نورها الا ظلال خفيفة وشمل السماء ذلك الهدوء الحالم وتراءت طلائع الظلام،تأملت رقية بناتها وهن يتناولن عشاءهن وتعب اليوم بكامله يطل من اعينهن،هيأت لهن اشفاقا سررهن وماهي لحظات الا وقد غطت كل واحدة في نوم عميق،تطلعت اليهن رقية بكل حنان ممزوج بشفقة وهمست:اعرف انكنّ متعبات ولكنكنّ ستجنين ثمار هذا التعب ياعزيزاتي،ستعرفن قيمة كل شيئ في حياتكن عندما تشعرن بنتيجة هذا التعب والشقاء،بل ستعرفون به قيمة انفسكن.
اما هي فقد كانت تظن انها ستموت نوما بمجرد ان يلمس جلدها فراش سريرها ولكن هيهات،كيف لها تنام ولهيب البسباس يسري في عروقها،لم يكن كافيا وضع اناء الماء كل ليلة بجانب سريرها ورشه على ذراعيها بين حين واخر،لم يكن مجديا مسح يديها بالزيت تخفيفا لذلك اللهيب الحارق،عليها بالصبر والتجلد ومن كصبر رقية وقوة تحملها…
ارسلت رقية بصرها الى النجوم وفتحت فمها وكأنها تريد ان تشكو اليهم،لكن لا طاقة لها بالكلام،ارادت ان تهدأ،أن تصمت ولو كان هناك ماهو اهدأ من الصمت لفعلته،اغمضت عيناها وناجت ربها ودعته ان يلهمها الصبر والقوة…
اضاء الصبح وبدأت المدينة تستقبل تلك الحياة الهادئة المطمئنة،حملت نادية صحون(الكشنة)لتوزعها على مقهاية عم ابو فضل اللحجي ومقهاية احمد مسعد(زوج اختها من الاب) وباقي المقاهي المجاورة،في حين حملت نجوى مجموعة الاكياس الورقية لبيعها في السوق،بينما لا يُباع البطاط بالحمر الا عصرا
افترشت نجوى مكانها المعتاد بينما ذهبت نادية لتنفيذ ما انيط بها من مهام.
حذّرت نادية اختها من الانشغال عن بضاعتها بالعراك والسباب مؤكدة لها انها لن تتأخر كثيرا
مضت نادية في طريقها ودارت على كل المقاهي المتعاملة معها وقبضت الثمن واودعته غياهب جيبها،كانت تسرع الخطى وهي في طريق عودتها منشغلة البال،فكم مرة عادت لاختها لتجدها وسط معركة كلامية او جسدية بينما البضاعة مرمية باهمال جانبا كطفل يتيم.
بدأت نسمات الهواء تلطف من حرارة الجو،اخذت نادية نفسا عميقا هدأها قليلا من انشغال بالها،ازدادت حركة الهواء وعربد شعرها في تياره،كم هي جميلة،ربما كانت اجمل اخواتها،لما لا وهي التي اخذت اجمل مافي اخواتها،انف دقيق طويل نوعا ما،عينان سوداوتان عميقتان تنمان عن ذكاء دفين،فم انيق يفتر عن ابتسامة جميلة ووجه رقيق ينبض بالحياة يشدك شدا لتأمله دون ملل يزينه ظفيرتان طويلتان تتمايلان من ظهرها الى صدرها كلما همت باذنى حركة،ثم تعيدهما الى ظهرها بطريقة جذابة وكأنها متعمدة لفت الانتباه لهذه الحركة الانثوية الفاتنة.
اعادت نادية تحسس جيبها كعادتها كل مرة،مسحت على جانب ثوبها حيث يوجد كيس النقود مخفي ،توقفت فجأة واعادت تحسس جيبها مرة اخرى،ادخلت يدها واخرجتها اكثر من مرة لكن ككل مرة تخرج كما هي فاضية،مشت في مفاصلها رعدة وكاد ان يغمى عليها،لم تستطع رؤية المارة بل الشارع من هول صدمتها وبدأ صوت نداء الباعة في السوق يخفو رويدا رويدا،اين عساها ان تذهب النقود،لقد كانت هنا منذ قليل في هذا الجيب اللعين،يا الهي ماذا سأخبر امي واخواتي؟!!
بحثت هنا وهناك ولكن دون جدوى،لم تدرِ ماذا تفعل وأخذت تتخبط هنا وهناك علها تجد النقود او اي حل ينقذها من هذا المأزق…
بدأ القلق يساور نجوى فقد قرب اذان الظهر ولم تعد اختها وبدأ الباعة يعودون الى بيوتهم وبعض ابواب الدكاكين أُقفلت،حملت نجوى ماتبقى من الاكياس ومضت في طريق عودتها للمنزل،كانت في كل خطوة تتلفت للوراء علها ترى اختها،خاطبت نفسها: لعلها سبقتني الى الدار…
دفعت نجوى باب مسكنهم بقدمها فأطاع دون مقاومة ثم دخلت وردته ايضا بقدمها وراءها،وتلفتت يمنة ويسرة وأنصتت جيدا علها تسمع صوت نادية…
يا ألهي،الخال صالح ممدد على احد السرر،يا للطامة الكبرى،بادرتها فوزية: أين نادية؟!
سؤال جعلها تفهم ان اختها لم تسبقها للدار،أين عساها ان تكون؟!!
قبل ان تفتح فمها،التفت اليها خالها صالح وكأنه ينتظر منها الاجابة.
ردت بصعوبة: انها خلفي،ستأتي الان،لقد سبقتها…
هرعت الى المطبخ حيث امها ورمت بحضنها ما تبقى من الاكياس وثمن ماباعت منهم،وهرعت بل هربت الى الغرفة المجاورة للمطبخ
رُفع اذان الظهر،حينها دفع الخال صالح باب الغرفة بقوة،قفزت نجوى فزعا الى ركن الغرفة وتصببت العرق منها،صاح فيها خالها: اين نادية؟
اختنقت الكلمات في حلقها رعبا ولم تستطع الرد
كانت رقية وفوزية تقفان خلف صالح علهما تسمعان ما يطمئنهما،سحب صالح ابنة اخته من رقبتها ودفعها قباله وأمرها ان تمشي امامه لتريه اخر مكان رأت فيه اختها
هرولت نجوى امام خالها وهو يسرع الخطى خلفها والشرر يتطاير من عينيه،لم تستطع ان تلتفت للوراء،خُيل اليها انها ستصاب بالشلل من منظر الغضب المرسوم على وجهه.
اشارت الى حيث تركتها اختها نادية،تلفت صالح هنا وهناك عله يحد مايرشده اليها
كان المكان الذي تعيش فيه رقية وبناتها عبارة عن شبكة ازقة(مخارط) تتفرع منها مخارط اصغر وهكذا،لهذا كانت مهمة الخال صعبة كصعوبة ايجاد ابرة في كومة قش،خاصة وانه ليس من ساكني المنطقة اللذين يحفظون تلك الازقة منذ نعومة اظفارهم.
أشار لنجوى ان تسلك احد المخارط على ان يسلك هوه زقاق(مخرط) اخر
كانت المخارط مثقلة بالشمس،أسكت الرعب والقلق اصوات الجوع في بطن نجوى،لم يرعبها اختفاء نادية كما ارعبها غضب الخال صالح…
يتبع….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى