آداب و ثقافة

قصة قصيرة .. هشاشة الواعظ الجليل

كتب :
 وليد صالح المُحني 

في ذات التوقيت من منتصف اليوم ، وفي أجواءٍ تراوحُ الحرارة مكانها المرتفع !، صعدَ ( الواعظ الجليل ) ذو الصدر المترهّل والبطن المنتفخ الرخو يتوازن الخُطى نحو قمة المنبر ، منكبٌ على وجهٍ ملون مُعبس الملامح ، مضرّجم الخدّين ، داكنُ الشفتين ، ضيقُ العينين ؛ عاقدُ الحاجبين، 

تتوسطُ وجهه الغضوب ؛ نظاراتٍ مقعرة قديمة مغبرة الإطار .. تتكىُ على أنفٍ مدببٍ قصير .. بشاربٍ محلوق ولحية متقطعة مبعثرة محمرّة كثيفة عند منطقة الذفن ! وأعلى رأسه المُكوُر أجعد الشعر يتوسطُ بميلان وشاحٌ رماديٌ رث يلفُ طاقية بيضاء مثقوبة النسيج ؛ تأخذُ شكلاً تقليديا مناصفة بين الشرقي المحافظ والغربي المُراوغ اللعوب، 

وبيدٍ جرداء قصيرة الأصابع في بنصرها يستديرُ خاتماً فضيا مزخرفاً ثمين ؛ تيمنَ عصاة الخِطابة مجاهرا الحضور بكلماتٍ باليةٍ سحيقةٍٍ مخيبة ! متصلطة الفكرة ، خشنة الأسلوب ، تحريصية المضمون تجلب النِقم وتفتحُ بابًا للشرِ المصروع. 

ـ وكعادته يكتضُ المكان بالشبابِ الشغوف المتأمل غزارته وفطنة بديهته.. يتزحمون الأرض مقنّعوا رؤوسهم تشخص أبصارهم المنبر بسمعٍ دقيق التردد ، سيسمعون به كلُ هامةٍ ولامّة ، كلُ شاردةٍ وواردة ! سيسمعون دبيب نملة السكر وغناء يعسوبٍ في نشوةِ انتصار !! ..

ـ جاهزون للنهل من معين أوسع الثقافات ، وأغزر المعلومات ، وأحب التعبيرات ، وأقوى المأثورات ؛ فشيخنا ( الجليل ) من النخبة في المجتمع .. إذ تعوّل عليه المنفعة الكبرى ، فهو خيرُ زادٍ لمتقٍ خيّر..

التزم الصمت الأن ; سيلقي (فضيلتهُ ) ماننتظره منذُ ساعتان ، قبسٌ من ريح الجِنان ، قداسةٌ وعطرٌ وريحان ، ستشنف المسامع وسترتاح الأبدان ..

سبقَ صفير الميكروفون ،  صوت صفير حروف فمه المكسور باكثر من سن عن غير موضعه !! 

بدى مسلما على الحضور مقتضِبا خطبتهُ الحماسية النارية ( من وجهة نظرة ) والتي تصل بسرعة للهدف قبل أن يرتدَ إليك طرفُك ، وإن كانت هذه المرة من عفريت بشري كسيد الواعظين لكن هذه المرة من دون إن يأتي بالعرش العظيم .!  

ـ لم تتعدى خُطبته نواقض الضوء والحيض والنفاس وأقولٌ خاوية أخرى من قبيل الرجال قوامون على النساء وأسهبَ قليلاً عن نقطة ( لاتنهض في صلاتك كما ينهض البعير ) وحتى إن لم نعلم أصلاً كيف ينهض البعير حتى اللحظة !! ؛

فاختتم ذلك الصفير بكلماتٍ لا تقلُ حماسة عن ذي قبل ، كلماتٍ يعظُ الشباب المؤمن للتمسك بكل ما يقربهم من الجنة والزهدِ عن الدنيا الزائفة ، إذ صرخ بطبقات صوت عالٍ حادٍ مطول يقول: 

زُهدكم في الدنيا يقابلهُ إحساناً لاتدركهُ الأرواح ولاتتوقعهُ النفوس فلا تغرّنكم حياتكم الذكية فإنكم عنها راحلون ؛ فالصبرُ الصبر على المعضلات فإنها من عزِ الأمور.

ـ انتهى من الخِطابة ونزلَ عن المنبر تأتليه النشوة والرضى .. فقد أدّى النصيحة مغلّضة في وقتها لاصحابها وفي أكمل صورة وما على الرسول إلا البلاغ المبين .  

وكما يبدو للجمهور من سرعة الخطبة المرتجلة العجيبة! أنها خطبة سطحية راكدة تنضحُ الإفلاس ! محبطة مخيبة لاتسمنُ ولاتُغني من جوع !! . 

وإن الرجل الذي ظهرَ بالأمسِ نخبوياً فطناً ممتلئ المقام ،، لم يعد اليوم كذلك ! بل بدى محشورا متخبطا مفرغ الإدراك ؛ 

فالاجسام على الواقع أصغر حجماً مما قد نتوقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى