آداب و ثقافة

ليلتنا الأخيرة. 

خاطرة: رهف عماد الزير

كانت تجمعنا طاولة، تفصلنا بفعلها حدود خشبيّة، كنا نستمع إلى المونامور، الجو يعصف كالمجنون في الخارج، كل شيء بات متجمدا تقريبا سوى مشاعرنا التائهة في دهاليز الغرام، كانت عيناك تلمعان بشدة وأنا أجالسك وأنت تعلم أنّه في حضرة الحبّ يكتظّ قلب كلّ كاتبة بكلمات الوئام، لكن خشيت أن أنطقها فأتعرى من حيائي، أو أن أبعثر كرامتي بكلمات ساذجة لا داعٍ لها، حيث أنّها كانت الليلة الأخيرة، و لكن كانت نشوتي تسمح لي بأن أمتطي سحابة أطير بها فوق الكواكب والنجوم، نظراتك كادت أن تلتهمني ولم أعد أقوى على كتم الحروف، أعلم أنه ليس بوسعي اليوم أن أبادرك الحب، فها هي مراسم فراقنا قد شرعت، وستنسحب من بين يدي رخصة الحب رويداً رويداً، ولم أعد أحمل مرتبة الحبيبة، قلت لك دعني أحبك ولو لليلة، تفاجأت من طلبي لكن رغم عنادك لم ترفض، قُلتَ لي إنّها ليلتنا الأخيرة لتكن بجمال ليلتنا الأولى، فاقتربت منك وحضنت يديك وبدأت أخط خطوط وهمية تتبع عروقك وهمست بلسانٍ شبه مرتجف: _كانت أرجوحتي عروقا نُصِبت في ذراعيك، كنت أمكث فيها كطفلة يتيمة فقدت كلا والديها فكان الإنتماء إليك، كان سحري شامة رأيتها تكلل واحدة من يديك، كنت أغفو على طيفها وأستيقظ صباحا لهفتي إليك، فهلا احتويتني وجعلت مسكني مقلتيك أنهيتها ورنوت إلى عينيك كانتا تفيضان بالدموع ارتغفت ما قسم لي من نصيب مائها حد الإرتواء، شعرت بكمية الحزن التي انصبّت في فؤادك.. ولكن كنت مكابر لدرجة جعلتني أشعر أني أتسول حبك كأطفالٍ تائهين جائعين يبحثون عن طعام ولا يملكون سوى بقعة من رصيف الشارع أسموها المأوى، أو لربما كنت تطلب البعد رغما عنك، كان هناك لغز قد طلسم عقلي، كان من الصعب فكه، كنت هائم بي وتطلب الفراق! باتت الأفكار تنسج كجزة صوف في رأسي إلى أن تشابكت، انهرت بالبكاء بكاء كاد يسمعه كل الحضور بالمقهى، فحضنتني حتى هدأت لم أشعر أنها طالت بنا الأحضان لكني شعرت بالدفء، ظننتها ومضة حب في حلم راودني في نومي أو يقظتي أبعدتني عنك بسرعة خشية أن أحفظ تفاصيل ليلتنا تلك، كنت تقول لي أني فتاة ستقتلها التفاصيل يوماً.

_ أتعلمين يا كاتيا؟ أعان الله كل من وقع بحب كاتبة، تقتله بكلماتها وليس بوسعه التعبير سوى بقبلة أو نظرة أو ربما عناق، كم أشعر بالنقص أمام تعابيرك، يا لسذاجة الشعور!.

_ بادرني لكي لا تشعر بالنقص.

_وهل تسمحين لي بقبلة؟ _نعم قبلني، قبلني برسالة أدبية دعها تصل إلى أوردتي وشرياني دعها تتخلل قلبي قبل آذاني، وعانقني بقصيدة مفعمة بالغرام لا تحوي أي كلمة حب، انظر إلي بعين قلبك وقدسني لليلة، وقعت في شباك الحيرة، لقد باغتك طلبي كيف سأجعل منك كاتب في ليلة فراقنا والأصعب أنك ستقول لي شيء دون تحضير ستحبني ككاتب دون سابق إنذار، شددت على يدك وقلت هيا تستطيع، قلت لي: انظري كم السماء صافية، على ما يبدو أنه ليس في حوزتي هذه الليلة سوى نجمتان وقمر، نجمتان فحسب أستودعهما الله في عينيك يا قمري.. ما إن شعرت أنك أنهيتها، وقفت مسرعة، مسحت دموعي، حملت حقيبتي، نفضت عن ملابسي غبار ذكراك، وقبل أن أهرول قاصدةً باب المقهى كنت قد تركت لك رسالة، كان محتواها.. أنا لست فتاة ضعيفة مهما تحسست عفويتي وطفولتي، أنا أنثى كنَّت بداخلها أسد عظيم، سيجعل منك هرّ ضعيف، ولكي لا تستحي أمام كاتبة ها أنا ألقيت عليك بشعوذة الكلمات، فغدوت مصاب بحب التفاصيل، وأصبت بلعنة الكتابة، كم قلت لك يا خالد {حذارِ أن تؤذي كاتب، فتصيبك لعنة كلماته أين ما حللت، فنحن الكتاب سلاحنا اليراع، ذخيرتنا المداد، نحمل في جعبتنا مخزنا من الحروف، رصاصنا الكلمات، نخوض معاركنا سرّاً بين السطور وأمامك كلّنا ثبات} ملاحظة: لا تنسَ اليوم أن تحضر مناديل وأوراق، موضوعك لليوم (ليلتنا الأخيرة).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى