الانحياز الإعلامي لصالح المحتل «خيانة كبرى وجُرمٌ أكبر»

سمانيوز / تقرير / عبدالله قردع
في العام 1948 تبنّتِ الأُممُ المتحدة إعلاناً عالمياً صادراً عن منظمة حقوق الإنسان نصّ على أن لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير ويتضمن هذا الحق حرية الفرد في تكوين آراء بدون تدخُّل أحد والبحث عن المعلومات بكل الوسائل المتاحة باستثناء بعض المعلومات المحجوبة من قبل الدول لدواعٍ أمنية أو استخباراتية لحساسيتها وسرّيتها أو لارتباطها بحماية المصلحة الوطنية للدولة، ولا يحقُّ للفرد المساس بخصوصيات الغير أو الإساءة والتعدّي عليها بطريقة وقحة أو غير أخلاقية، أو الانحياز ضد الوطن بذريعة حرية الرأي، بل أن من يفعل تلك الأمور يُحاسب ويُسجن ويتم تغريمة، حيث الإساءة والخيانة الإعلامية للأوطان لا علاقة لها بالحرية الإعلامية إطلاقاً، كون هذا الإعلام الوطني سلاح نزيه ونوع من أنواع النضال (الناعم) يُسخّر لإصلاح الاعوجاج إن وجد ولمقارعة المحتل وليس ضد الوطن والشعب.
وقال أحد الفلاسفة الغربيين : خيانة الوطن هي من أقبح الصور فظاعة وبشاعة ولا يقوم بها إلا المنحطّون والساقطون والسفلة. وغالباً ماتشمل قوانين حرية الصحافة مفهوم حرية التعبير وبالتالي يُعامل التعبير المنطوق والمنشور معاملة واحدة، ويُعد الإعلام والصحافة الحرّة السلطة الرابعة نظيراً لما لها من تأثير، بل هي القوة التي تؤثر في الشعب وتعادل أو تفوق سلطات الحكومة الثلاث ( التشريعية والتنفيذية والقضائية). فيما لايعتد الإعلام الحكومي المقيّد أو المأجور ضمن السلطة الرابعة كونه إعلام مسير (إمعة) أو كما يسمونه بالعامية (قلم بيد محرّك).
هل أصبحت خيانة الأوطان حرية ومجرد وجهة نظر من قبل البعض؟
الاختلاف في الرأي لايفسد للودّ قضية، فيما تفسد الخيانة كل شيء جميل التي قد تأتي في الغالب وجهة نظر خبيثة،
فالاختلاف حول الهُوية الجنوبية وحول ماهية الوضع العام الذي تمرُّ به الجنوب هل هو احتلال أم لا، حيث لم يتم الاتفاق أو الإجماع حول ماهية (الهوية) حتى اللحظة،كما يرى البعض ممّن يحملون وجهات النظر آنفة الذكر أن الجنوب ليست واقعة تحت سلطة احتلال بل ضمن اتفاقية وحدة اندماجية تمت برضا الطرفين لاتزال قائمة حتى الساعة، الأمر الذي فتح الباب أو الثغرات إن صح التعبير ليتمايل على وترها (الإمعات)
أبو شريحتين، تارة وحدوي وتارة انفصالي تتحكّم في سلوكه وفي وطنيته ومبادئه أو بالمعنى الأدق (نزواته وحماقاته) (المصالح الأنانية) و(خالف تُعرف) لشق الصف، شعاره من تزوّج أمّنا فهو عمنا. لذا فالمطلوب إجراء حوار ودّي ديمقراطي حضاري شامل بعيداً عن التعصُّب للرأي أو التنمُّر الفكري والاحتكام إلى لغة العقل والاستناد إلى الأدلة والشواهد والبراهين لإثبات الحقيقة والتمسّك بها لإلجام المتأرجحين (أصحاب وجهات النظر المشبوهة) مع أنها واضحة وضوح الشمس ولا تحتاج كل هذا العناء والمشقة، ولكن البعض يحب التشدُّق ويرى أن وجهة نظره هي الصح لإثبات الذات أو لأمور مصلحية أخرى تحشُره في زاوية الخيانة.
هل يمرُّ الجنوب بحالة استثنائية تضع للإعلام المحلي سقفاً يمنع تجاوزه؟
يُقال إن الإعلام سلاح ذو حدّين وأنه أيضاً سلاح الحرب والسلام إذا ما تقيّد بالمبادئ والقيم والأخلاق المهنية وتحلّى بالمصداقية والحيادية وتحمُّل المسؤولية المناطة على عاتقة على الوجه المطلوب، ولكن في البدء يجب أن نتعرَّف على الحالات الاستثنائية التي تضع للإعلام قيودا لا تسمح له فيها بالحرية المطلقة، الجواب هو أنه لاتوجد قيود واضحة على الإعلام خصوصاً في الأنظمة الليبرالية والديمقراطية المستقرة، وفي الحالات الطبيعية التي يتسيّد فيها الشعب على أرضه ووطنه،(ودون الغوص في تفاصيل أكثر في هذا السياق المتشعِّب) فإن الإعلام يكون مقيّداً في حال وقوع البلد تحت سلطة احتلال فإنه يتوجّب على الإعلام بكافة أشكاله والأقلام بكافة مشاربها الانحياز إلى جانب الشعب والوطن وأن يصبحا أحد روافد النضال ضد المحتل، بحسب ما نصّ الإعلان الأممي آنف الذكر القائل: على أن لكل فرد الحقّ في حرية الرأي والتعبير ويتضمّن هذا الحق حرية الفرد في تكوين آراء الخ. ولكن كيف للفرد أن يتمتع بالحرية المطلقة فيما وطنه مقيّد محتل؟ ماهي الأولويات لتطبيق ذاك النص على أرض الواقع كون حرية الفرد والوطن هما وجهان لعملة واحدة؟ وعليه فإنه في حال وقوع البلد تحت سلطة احتلال يتوجّب على الجميع رصّ الصفوف وتوحيد الكلمة والخطاب الإعلامي والبحث إلى جانب الكيانات التحرُّرية السياسية والعسكرية كفريق واحد في السبل لتحريره ولإطلاق سراحه، وعليه فإن الجنوب يمرُّ بحالة استثنائية تضع للإعلام المحلي خطوطا حمراء يمنع تجاوزها سقفه النضال التحرُّري صوب استعادة الدولة حتى ينال الجنوب استقلاله الناجز ليتمتعَ الشعب بالحرية وبممارسة السيادة المطلقة على الأرض عندها لكل حادث حديث، لذا فإنه يتوجّب على وسائل الإعلام الجنوبية بكافة أشكالها الانحياز إلى جانب الشعب والوطن كونه عكس ذلك يعني الانحشار في زاوية الشُبهات أو الخيانة.
قد لا تُسقط القلاع الحصينة قذائف الأعداء لكن يسقطها الغدر والخيانة :
وبحسب دراسات فإن سيكولوجيا الخائن تتمثّل في أن أفعاله تعكس ما يدور بداخله من تراكم أوجاع الفشل وعُقد نفسية لاتُحصى، ويقول الكاتب (أكرم جلال) في مقال (خيانة الأوطان. قراءة في سايكولوجيا الخائن) إن السياسيين الخونة هم أولئك الذين عاشوا حياة قاسية أو تعرّضوا لصدمات مُريعة، رافقتهم خلال مراحل حياتهم، اخترقت تَفكيرهم، وأعدَمَت مشاعرهم، وَمَزَّقَت شخصياتهم، حتى بَلَغ بهم الحال أنْ تحوّلوا إلى عاجزين عن حمل التكاليف والواجبات والمهام (السياسية) باتزان ومسؤولية، وفق المواثيق والعهود التي أبرموها وتعهّدوا بالالتزام بها. لقد فقد الخائن حالة الانضباط الذاتي، فلم يَعُد قادراً على فعل ما يجب فعله، ولا التحكّم في انفعالاته ونزواته وتصرفاته، وحلَّ محلّ ذلك خيانة الذات، فلا التزام بالعهود والمواثيق، ولا شجاعة في المواجهة، ولا صبر ولا إيثار. لقد بَلَغَ بذلك أدنى درجات الانحطاط بعدما تغلّبت نَزَعاته الذاتية ونزواته الشخصية على الأعراف والقوانين والمواثيق، فتخلّى عن انتمائه لوطنه وشعبه مقابل حفنة من الدولارات أو منصب يبقيه بعيداً عن ذلك الجرح في ذاته وتلك العُقدة في نفسه، فكانت الخيانة لديه هي الملاذُ الآمن، للهروب من الكابوس الذي يطارده، وهي الملجأ والمأوى من حريق ما زال يُشعل في داخله، وإن حاول جاهداً إخفاءه. إنه ذلك الشعور بالنّقص الذي يُرافقه، كما يقول ألفرد إدلر، والذي يعيش معه، يُلهب مشاعره ويُحطّم أحاسيسه، خصوصاً عندما يُقارن نفسه بنجاحات مَن حَوله، فيميل إلى الخيانة دون الاكتراث بعواقب الأمور، إنّه موت سيادة واستقلال الذات، وبدء مسيرة الخضوع المُطلق، والارتماء في أحضان المجهول، طلباً في البقاء ودفاعاً عن امتيازات وشكليات لعلّها ترقّع نَقص النّفس، وتخفي عَيب الذات.
أزمة الهوية والانتماء تدفع بالخائن ليكون مستعداً لبيع الوطن :
ويتابع الكاتب فإن أزمة الهوية والانتماء تلك التي تدفع بالخائن ليكون مستعدّاً لبيع الوطن، وسحق الأرواح، وهدر الأموال، ونقل الأخبار لكي يبقى مُتسيّداً على كرسي الخُرافة والوهم، فهو يَعلم أنّ فيه العزّة التي فقدها والشرف الذي باعه والأمان الذي يلوذ به هَرَباً من نفسه. وللخيانة رائحة نَتِنَة، لا تُطيّبها العطور، وهي عارٌ لا تغسله البحو؛ والخائن باع الثمين من أجل الرخيص، وفارق الجميل وسَكَن إلى القبيح، وارتكب خطيئة الظلم، والظلم هو أعلى درجات الاستفزاز لمشاعر الناس، تلك هي سيكولوجيا الخائن، أفعاله تعكس ما بداخله من أوجاع، والخلاصة من هذا التقرير التجميعي البسيط المعدّ من قبل صحيفة سمانيوز أنه لا توجد مبررات أو حُجج لحيادية وسائل الإعلام المحلية الجنوبية أو انحيازها إلى جانب المحتل اليمني كون جميع الشواهد والدلائل تشير إلى أن اتفاقية الوحدة انتهت بغزو الجنوب في العامين 1994 م 2015م، وأن دولة الجنوب حالياً ترزح تحت وطأة الاحتلال اليمني وأننا أصبحنا أمام خيار واحد لا ثان له ألا وهو ( الانتصار ولا غير الانتصار ) وأنه على الخونة مراجعة حساباتهم قبل فوات الأوان.
