«ولكنها حقيقة لا أنساها أبد الدهر» خاطرة لـ محمد عزير مستونكى

سمانيوز/خاص
الأم، أعدّت لي الحوائج التى أحتاجها في سفري، والأخوات يساعدونها في أمورها، حتى بمساعدة بعضهنّ البعض اكتملت أهبتي، وطفقت أودعهنّ وأخوتي كلهم، والأم، انحدرت والدموع على خديها وبدأت تستشفّها وتودّعني، وكدت أن أوافقها في دموعها لولا اللّٰه أن ربط على قلبي، فجمعت أمري وسلكت طريقي وإني سالك على طريقي في السكك والأزقة وأرى المباني الرشيقة تشيّعني والدور تودّعني والأعلام تلوّح بي وأنا، أنا جعلت فؤادي مثل فؤاد أم موسى فارغا، وخرجت من بلدي مغرورقا بالدموع وجبت إلى ما أردت حتى وصلت إلى جامعتي الحبيبة، وبدأت أشارك في الدروس وأرتوي بالعلم وأتحلى بالحلم من الأساتذة الأجلاء، وأنمّي مهاراتي وأصقل شذراتي، أفرح مع الذين يفرحون وأحزن من الذين يحزنون، مع ذلك لم أسلِّ نفسي هذه المرة كما كنت أسلّيها من قبل، ولم أصل إلى السبب الذي كنت في صدده حتى وصلتني الأخبار بأن بلدي أُصيب بالزلازل التي دمّرت كل شيء، وإنني لاأتذكر كيف وصلت؟ أو أُوصلت إلى بلدي، وأرى الذكريات التي كانت تأخذني من داخلي قد اصطدمت بالحقيقة التي أراها، فانهدمت الحقيقة، والمباني التي شيّعتني أراها مدمّرة، والدور التي ودّعتني أنظر إليها وهي خرابة، والأعلام التي لوّحتني منكبة مبعثرة، وأين الذين ودّعوني بدموعهم السائلة؟ أين اللآتي بمساعدتهن اكتملت الأهبة؟ لا،لا،لا ياحبذا لو كنت أحلم! ولكنها حقيقة لاأنساها أبد الدهر.
