أخبار عربيةتقارير

قراءة جيوسياسية لما يحدث في قطاع غزة.. هل الحاصل هو نتاج فشل السياسة الأمريكية التي أولت التطبيع العربي مع إسرائيل اهتماما أكبر من مساعي حل الدولتين؟ أم أنه تمهيد لخطط أكبر ؟

سمانيوز / تقرير

في الآونة الأخيرة أدارت الولايات المتحدة الأمريكية ظهرها للاحتقانات الحاصلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، وأصاب وعودها وجهودها الرامية إلى إيجاد حل للقضية الفلسطينية وإلى نزع فتيل الاحتقانات الفلسطينية الإسرائيلية المتصاعدة الناجمة عن التوسع الااستيطاني الإسرائيلي على حساب الأراضي الفلسطينية

فتوراً لافتاً وفي المقابل أولت التطبيع العربي مع الكيان الإسرائيلي اهتماما كبيرا ، بل هيمن على أغلب تحركاتها الأخيرة في المنطقة العربية. بحسب مراقبين عرب أشاروا إلى أن تحركات التطبيع الأمريكية المشبوهة المقرونة بالترهيب والترغيب أغاضت الشارع الفلسطيني خصوصًا والعربي عمومًا من جهة ومن جهة أخرى زادت من عزلة جمهورية إيران الإسلامية عن محيطها واستبعادها من أي تفاهمات إقليمية ودولية دفع بها إلى ممارسة سياسة مضادة تقويضية لإثبات وجودها وثقلها بالمنطقة ، ما انعكس سلباً على أغلب القضايا الدائرة بالمنطقة في العراق واليمن وسوريا ولبنان وفلسطين ، حيث حركت أذرعها وسارت في مسارات مضادة أفشلت الجهود الأمريكية في المنطقة ،

فيما ذهب المفكر السياسي الامريكي ستيفين والت إلى أبعد من ذلك حيث ربط مايحدث اليوم في فلسطين والمنطقة العربية بأحداث قديمة ، وذلك في مقال ترجمه للعربية الأستاذ محمود الصباغ حيث قال : يصعب على الكثير منا مقاومة الرغبة في البحث عن شخص نلقي عليه اللوم لما حصل ونحمله مسؤولية ما يجري هناك. يريد الإسرائيليون وأنصارهم لوم حماس على ما حدث بالمطلق التي لا شك في مسؤوليتها المباشرة عن الهجوم المروع على المدنيين الإسرائيليين. بينما يرى من هم أكثر تعاطفاً مع القضية الفلسطينية أن المأساة الحالية تتويجا حتميا لعقود من الاحتلال والمعاملة الإسرائيلية القاسية والمديدة لرعاياها الفلسطينيين الخاضعين لسيطرتها. وثمة من يصر على اعتبار ان الجميع مسؤول، وأنه من غير المنصف تبرئة طرف على حساب طرف آخر.

رواسب واحتقانات تاريخية ذات صلة بما يحدث :

وأضاف : من المحتم أن يقودنا هذا الجدال حول أي من الأطراف الرئيسية المعنية بصورة مباشرة بالأحداث هو الأكثر خطأً من غيره إلى حجب العديد من الأسباب المهمة الأخرى ذات الصلة غير المباشرة بالصراع الطويل بين الإسرائيليين الصهاينة والعرب الفلسطينيين وينبغي ألا تغيب هذه الأسباب عن بالنا حتى أثناء تأملنا في الأزمة الحالية، لأن ما يحدث اليوم سوف يتردد صداه لفترة طويلة بعد توقف القتال. ومن الصعوبة بمكان أن نقرر من أين نبدأ في تتبع الأسباب العرضية لسير الأحداث (هل نبدأ من كتاب تيودور هرتزل 1896، الدولة اليهودية The Jewish State؟ أم من وعد بلفور 1917؟ أم من الثورة العربية 1936؟ أم من قرار التقسيم 1947؟ أم من الحرب العربية الإسرائيلية 1948 أم من حرب الأيام الستة 1967؟).

متسائلاً : كيف حولت أحدث حرب في إسرائيل وفلسطين جهد 30 سنة من السياسة الأمريكية إلى كارثة. ولن أمضي إلى كل هذا وسأبدأ من العام 1991، عندما برزت الولايات المتحدة كقوة خارجية وحيدة مؤثرة في شؤون الشرق الأوسط؛ وبدأت في محاولة بناء نظام إقليمي يخدم مصالحها.

هنالك على الأقل خمسة أحداث رئيسية، في هذا السياق الأوسع، ساعدت في إيصالنا للأحداث المأساوية التي وقعت منذ أسبوعين.

أولى هذه الأحداث، كانت حرب الخليج 1991 وتداعياتها المتمثلة في مؤتمر مدريد للسلام. كانت حرب الخليج عرضا مذهلا للقوة العسكرية الأمريكية والفن الدبلوماسي الذي أزال التهديد الذي شكله صدام حسين على التوازن الإقليمي. ومع اقتراب الاتحاد السوفييتي من الانهيار، أصبحت الولايات المتحدة ذات مكانة مميزة ، وباتت هي وحدها من يقود العربة، واغتنم الرئيس جورج بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر وفريق من خبراء الشرق الأوسط الفرصة لعقد مؤتمر سلام في تشرين الأول 1991م ضم ممثلين عن إسرائيل وسوريا ولبنان ومصر والمجموعة الاقتصادية الأوروبية ووفداً أردنياً فلسطينياً مشتركاً. ورغم عدم تمخض المؤتمر عن نتائج ملموسة ناهيك عن اتفاق سلام نهائي إلا أنه وضع الأساس لجهد جاد لبناء نظام إقليمي سلمي ومن المثير تأمل ما كان يمكن تحقيقه لو أعيد انتخاب بوش في العام 1992 ، وأتيحت الفرصة لفريقه لمواصلة عملهم

لم يكن مؤتمر مدريد خالياً من العيوب فقد احتوى على معضلة جوهرية زرعت بذور الكثير من المشاكل في المستقبل لم يوجه المؤتمر دعوة إلى إيران للمشاركة ، وردّت على استبعادها بتنظيم اجتماع لقوى “الرفض”.

تشكيل قوى الرفض (الضد) الإيرانية :

تواصلت إيران مع الجماعات الفلسطينية بما في ذلك حماس والجهاد الإسلامي التي كانت تتجاهلهما قبل ذلك وكما يلاحظ تريتا بارسي في كتابه “التحالف الغادر Treacherous Alliance”، تنظر إيران إلى نفسها كقوة إقليمية كبرى ، وكانت تتوقع أن يكون لها مقعد على الطاولة لأن الصورة العامة لمؤتمر مدريد لم تكن برؤيته كمؤتمر حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني فحسب ، بل لحظة حاسمة لتشكيل نظام شرق أوسط جديد، كان رد طهران على مدريد استراتيجياً في المقام الأول وليس آيديولوجياً ، فسعت لتثبت للولايات المتحدة ولغيرها قدرتها على عرقلة جهودهم الرامية لإنشاء نظام إقليمي جديد ما لم تؤخذ مصالحها في الاعتبار. وهذا هو بالضبط ما حدث حيث عطلت التفجيرات الانتحارية وغيرها من أعمال العنف المتطرفة عملية التفاوض على اتفاقات أوسلو وقوّضت دعم إسرائيل لتسوية عن طريق المفاوضات وازدادت العلاقات بين حماس وإيران قوة مع الوقت ومع عدم تحقيق السلام وتدهور العلاقات بين إيران والغرب أكثر.

الحدث الثاني الحاسم كان توليفة مأساوية جمعت بين هجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية والغزو الأمريكي اللاحق للعراق في العام 2003.

لم يمكن قرار الغزو مرتبطاً بشكل مباشر بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني رغم دعم العراق البعثي للقضية الفلسطينية بطرق عدة. واعتقدت إدارة جورج دبليو بوش أن الإطاحة بصدام من شأنه القضاء على التهديد المفترض لأسلحة الدمار الشامل العراقية وتذكير خصوم الولايات المتحدة بقوتها وتوجيه ضربة واسعة للإرهاب ، كما سيمهد الطريق لتحول جذري على أسس ديمقراطية في الشرق الأوسط بأكمله ، ولكن ما حصلت عليه الإدارة الأمريكية كان للأسف مستنقعا مكلفا في العراق وتحسنا كبيرا في موقف إيران الاستراتيجي ، الأمر الذي أثار قلق المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى وبدأت تصورات التهديد المشترك من إيران في إعادة تشكيل العلاقات الإقليمية بطرق مهمة بما في ذلك تغيير علاقات بعض الدول العربية مع إسرائيل كما شجعت المخاوف من تغيير النظام بقيادة الولايات المتحدة إيران على السعي وراء الحصول على قدرة عسكرية نووية مما أدى إلى زيادة مضطردة في قدرتها على التخصيب وعقوبات أكثر صرامة من جانب الولايات المتحدة والأمم المتحدة.

وتمثل الولايات المتحدة نفسها بالنظر إلى الوراء قليلاً الحلقة الثالثة من عناصر الأحداث الخمسة بسبب تخلي الرئيس دونالد ترامب المشؤوم عن الاتفاق الشامل المشترك (JCPOA) لعام 2015 مع إيران وتبنيه سياسة بديلة تحت عنوان (الضغط الأقصى) مما أدى إلى جملة آثار غير محمودة بسبب هذا القرار الأحمق فقد سمح الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة لإيران باستئناف برنامجها النووي والاقتراب كثيراً من امتلاك قدرة عسكرية نووية فعلية ، وأدت حملة الضغط القصوى إلى قيام إيران بمهاجمة منشآت وشحنات النفط في الخليج والمملكة العربية السعودية لتظهر للولايات المتحدة أن محاولات إجبارها أو الإطاحة بها لن تمر دون تكاليف ومخاطر وكما هو متوقع زادت هذه التطورات من مخاوف السعوديين ومن اهتمامهم بالحصول على بنية تحتية نووية وكما تتنبأ النظرية الواقعية في مثل هذه الحالات فقد شجعت تصورات التهديد الإيرانية المتزايدة أشكال تعاون أمني هادئ ، لكنه مهم بين إسرائيل والعديد من دول الخليج.

التطور الرابع كان ما يسمى ب (اتفاقيات أبراهام) وهو امتداد منطقي في بعض ملامحه لقرار ترامب بالتخلي عن الاتفاق الشامل المشترك JCPOA كانت الاتفاقات (وهي في جوهرها من بنات أفكار جاريد كوشنر الخبير الاستراتيجي الهاوي “وصهر ترامب”) عبارة عن سلسلة من الاتفاقيات الثنائية لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والمغرب والبحرين والإمارات العربية المتحدة والسودان. وأشار النقاد إلى عدم دفع هذه الاتفاقات عملية السلام كثيراً لأن أيّا من الحكومات العربية الموقّعة عليها لم تكن معادية لإسرائيل أو قادرة على إلحاق الضرر بها. وحذّر آخرون من أن السلام الإقليمي سيظل بعيد المنال طالما بقي دون حل مصير 7 ملايين فلسطيني يعيشون تحت السيطرة الإسرائيلية.

واصلت إدارة بايدن السير على مسار الإدارة السابقة تقريباً ، ولم تتخذ أي خطوات ذات مغزى لمنع الحكومة الإسرائيلية اليمينية شديدة التطرف من دعم عنف المستوطنين المتطرفين مما أدى إلى ارتفاع حاد في أعداد القتلى الفلسطينيين وتهجيرهم على مدى العامين الماضيين وبعد فشل بايدن في تلبية وعوده الانتخابية بالعودة السريعة إلى الاتفاق الشامل المشترك ركز مع شركائه بجهود رئيسية لإقناع المملكة العربية السعودية بالتطبيع مع إسرائيل مقابل نوع من ضمانات أمنية أمريكية وربما الوصول إلى تكنولوجيا نووية متقدمة. لم يكن لهذا الدافع وراء هذه الجهود أي صلة تذكر بإسرائيل وفلسطين وكان القصد منها منع المملكة العربية السعودية من التقارب مع الصين كما كان ربط الالتزام الأمني تجاه المملكة بالتطبيع وسيلة أولية للتغلب على إحجام الكونغرس الأمريكي عن عقد صفقة مع الرياض ويبدو أن كبار المسؤولين الأمريكيين افترضوا على غرار نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي وحكومته أنه لا يمكن لأي جماعة فلسطينية القيام بما يمكنها إفشال أو عرقلة هذه العملية أو إبطائها أو لفت الانتباه مرة أخرى إلى وضعهم، لسوء الحظ أعطت هذه الصفقة المشاعة حافزاً قوياً لحركة حماس لإظهار مدى خطأ هذا الافتراض ولا يبرر الاعتراف بهذه الحقيقة بأي حال من الأحوال ما قامت به حماس وخاصة الهجمات الوحشية المتعمدة بل هو ببساطة مجرد اعتراف بأن قرار حماس للقيام بشيء ما ، وخاصة توقيته كان استجابة للتطورات الإقليمية التي كانت مدفوعة إلى حد كبير بمخاوف أخرى.

أما الحدث الخامس ليس حدثاً واحداً بعينه بل هو فشل الولايات المتحدة الدائم في إنهاء ناجح لما يسمى بعملية السلام.

لقد احتكرت واشنطن الإشراف على عملية السلام منذ اتفاقات أوسلو (التي كما يوحي اسمها تمت بوساطة نرويجية) ولم تؤد جهودها المختلفة على مر السنين إلى أي نتيجة جديرة بالذكر. علماً أن الرؤساء الأمريكيين السابقين بيل كلينتون وجورج دبليو بوش وباراك أوباما أعلنوا مراراً عن التزام الولايات المتحدة أقوى دولة في العالم في ذروة لحظتها المسماة القطب العالمي الواحد بتحقيق حل الدولتين ، لكن هذا الالتزام لم يفضِ إلى أي نتيجة حتى الآن وبات بعيداً أكثر من أي وقت مضى إن لم يكن مستحيلاً.

مساع لحل الدولتين أصبح مستحيلا :

ختاماً .. بحسب محللين جنوبيين أشاروا إلى أن الجهود الأمريكية السابقة والراهنة الجارية بالمنطقة العربية منذ أكثر من 30 عامًا لم ولن تراعي مصالح الشعوب العربية إطلاقا ، وإنما يتم التركيز عبرها على توفير الأمن والحماية لإسرائيل لو على حساب انتقاص حقوق الفلسطينيين من جهة ومن جهة أخرى لضمان الهيمنة الأمريكية على أهم الممرات المائية وعلى الثروات النفطية والغازية العربية الهائلة . لافتين إلى أن المساعي لحل الدولتين الإسرائيلية الفلسطينية التي مرت بعدة أحداث ومنعطفات على مدار أكثر من ثلاثة عقود بات تحقيقها اليوم مستحيلا وأن مايحدث في قطاع غزة انعكاسا واضحًا لفشل السياسة الأمريكية المتعمد (الغير عفوي) في المنطقة العربية الهادف إلى تهجير الشعب العربي الفلسطيني بالكامل من قطاع غزة ، ومن الضفة الغربية ومن القدس تمهيدًا لإقامة إسرائيل الكبرى ، وأنه يتوجب على العرب البحث عن لاعبين دوليين جدد كما يتوجب عليهم توحيد الجهود لإفشال المخطط الجيوسياسي الإسرائيلي الأمريكي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى