تحرير وحداثة وتنوير.. «نساء عدن» ثورة نسائية تعيد كتابة التاريخ في الجنوب

سمانيوز-شقائق / تقرير / عبدالسلام عارف
في ربوع التاريخ، غالبًا ما تُطوى صفحات البطولة والتضحية التي خطّتها أنامل نسائية ناعمة لكنها صلبة في مواجهة التحديات، تُخفي هذه الصفحات المُهمشة قصصًا مُلهمة لنساء حاربن من أجل حريتهن، وكافحن من أجل مجتمعاتهن، وساهمن في صناعة التاريخ بإرادة لا تلين، وفي كتابها الشيّق والمُلهم “نساء عدن: تنوير وتحرير”، تُنصف الباحثة الجنوبية سعاد عقلان العلس المرأة العدنية، وتفتح نافذة مُشرقة على تاريخ عدن الاجتماعي والسياسي، لا تُركز على الأحداث والتواريخ فحسب، بل تُسلط الضوء على دور المرأة المهمش والمُغيب في صناعة هذا التاريخ، لتكشف عن ملحمة نسائية حقيقية في درب الكفاح والتغيير.
لا تُقدّم العلس في كتابها مجرد سِجِلّ تاريخي لأحداث معروفة، بل تُبحر في أعماق المجتمع العدني لتُخرج إلى النور حكايات نساء صنعن التاريخ بصمت، نساء ناضلن من أجل التحرر والاستقلال، وكافحن من أجل التعليم والمساواة، وركضن بجانب الرجل في ميدان النضال الوطني، متسلّحات بالإرادة والعزيمة، ليخطّن فصلاً مُشرفًا في تاريخ مدينتهن.
تُدرك الكاتبة أهمية المنهج التاريخي في إبراز هذه الحقيقة المُغيّبة، فتُقسّم كتابها إلى ستة فصول، تُشبه في ترتيبها لقطات سينمائية مترابطة ترسم في نهاية المطاف صورة كاملة للمرأة العدنية ودورها المُلهم، بدءًا من الظروف التي شكّلت وعيها، وصولًا إلى إسهاماتها الملموسة في مُختلف المجالات، وتُعزز الكاتبة من قيمة كتابها بِاعتمادها على المصادر الأولية، من شهادات حيّة للرائدات اللواتي عاصرن تلك المرحلة، ووثائق تاريخية نادرة، لتُقدّم للقارئ عملًا بحثيًا دقيقًا وموثقًا.
يُشكّل الفصل الأول من الكتاب خلفية تاريخية ضرورية لفهم سياق الأحداث، فهو يستعرض واقع عدن في ظل الاحتلال البريطاني، ويُسلط الضوء على السياسات الاستعمارية التي أثّرت على المجتمع، وخاصة المرأة. وتُشير الكاتبة إلى أن هذه السياسات رغم سلبيتها، إلا أنها خلقت ردود فعل مُضادة وتوّاقة للتغيير، وكان للمرأة دورها في تشكيل هذا الوعي، من خلال مُعايشتها المباشرة للتداعيات الاجتماعية والثقافية للاحتلال، فعلى الرغم من محاولات السلطة الاستعمارية فرض سيطرتها على مُختلف مناحي الحياة، إلا أنها أشعلت في النفوس شرارة المقاومة، وغذّت التطلّع إلى التحرر.
وفي الفصل الثاني، تنتقل الكاتبة إلى مرحلة مهمة في تاريخ عدن، هي مرحلة بداية الحركة الوطنية، وتُسلّط الضوء هنا على دور المرأة في هذه الحركة، والتي لم تقتصر على المشاركة في المظاهرات والاحتجاجات، بل تعدّتها إلى تأسيس الجمعيات النسائية التي طالبت بحقوق المرأة في التعليم والمساواة، لتُشكّل هؤلاء النساء حراكًا مُجتمعيًا مُوازياً يُطالب بالتغيير، ولم تَخلو هذه المرحلة من التحديات، حيث واجهت المرأة العدنية مُقاومة شرسة من قبل السلطات الاستعمارية والتي حاولت قمع هذه التحركات بشتى الوسائل، إلا أن إصرار هؤلاء النساء وعزيمتهن كانا أقوى من كل التحديات.
ومع بدء تشكّل الأحزاب السياسية في عدن، والتي يتناولها الفصل الثالث، تُبرز الكاتبة دور المرأة في هذه الأحزاب، والتي لم يقتصر على الدعم والتأييد، بل تعدّاه إلى تقلّد مناصب قيادية في بعض هذه الأحزاب، مما يُشير إلى تغيّر نظرة المجتمع إلى دور المرأة في الحياة السياسية، وإلى إدراك الرجال أنفسهم لِما تُمثّله المرأة من قوة فاعلة في المُجتمع، وتُسلّط الكاتبة الضوء على نماذج مُشرّفة لنساء استطعن بفضل كفاءتهن وجدارتهن أن يُثبتن وجودهن في مجال لطالما اعتُبر حكرًا على الرجال.
وفي الفصل الرابع، تُسلّط الكاتبة الضوء على دور المرأة العدنية في مجال التنوير، وذلك من خلال استعراض مسيرة عدد من الرائدات في مُختلف المجالات، مثل التعليم والصحافة والعمل الاجتماعي. وتُؤكد الكاتبة أن هذه الرائدات لم يُكافحن فقط من أجل حقوق المرأة، بل من أجل تطوير المجتمع العدني ككل، من خلال نشر الوعي، وتحدّي التقاليد البالية، والتأكيد على أهمية دور المرأة في بناء المُستقبل. وقد شكّلت هذه النماذج المُضيئة مصدر إلهام للأجيال التالية، وأثبتت أن المرأة العدنية قادرة على العطاء والتأثير في مُختلف الميادين.
وفي الفصل الخامس، تُركز الكاتبة على دور المرأة في قيادة الحركة الوطنية، وتستعرض هنا سير عدد من القيادات النسائية اللواتي لعبن دورًا مُهمًا في هذه الحركة، سواء من خلال قيادة المظاهرات أو تنظيم الصفوف أو التفاوض مع السلطات البريطانية.
وتُسلّط الكاتبة الضوء على التحديات التي واجهتها هؤلاء النساء، من قمع سلطوي، ونظرة دونية من بعض شرائح المجتمع، إلا أنهن استطعن بفضل إرادتهن وصمودهن أن يُثبتن أنهن قائدات حقيقيات للتغيير. فقد مثّلت هؤلاء القيادات رمزًا للنضال والتضحية، وقدّمن نموذجًا مُلهمًا للأجيال التالية.
ويأتي الفصل السادس والأخير ليُسلط الضوء على دور المرأة في حرب التحرير، حيث تُبرز الكاتبة هنا شجاعة وتضحيات النساء اللواتي شاركن في هذه الحرب، سواء من خلال القتال في الصفوف الأمامية أو تقديم الدعم اللوجستي للمُقاتلين. وتُقدّم الكاتبة هنا قصصًا حقيقية مُلهمة لنساء ضحين بحياتهن من أجل الحرية، وخضن تجربة القتال بكل بسالة، ليُسطرن بِدمائهن فصلاً جديدًا في تاريخ النضال الوطني.
ولا تكتفي الكاتبة بسرد هذه التفاصيل التاريخية، بل تُثري كتابها بعدد من الصور والوثائق التاريخية، التي تُجسّد بأمانة دور المرأة العدنية في تلك المرحلة، وتُضفي على السرد بُعدًا حيويًا ومُؤثرًا.
ختاماً..
يُمكن القول إن كتاب “نساء عدن: تنوير وتحرير” ليس مجرد كتاب تاريخي، بل هو وثيقة وفاء وتقدير للمرأة العدنية التي حاربت من أجل حريتها وحقوقها، وساهمت في صناعة تاريخ وطنها. وهو دعوة للأجيال القادمة للتعرّف على هذه التجارب المُلهمة، والاستفادة منها في بناء مستقبل أفضل، مستقبل تتساوى فيه الفرص بين الجنسين، ويُدرك فيه الجميع دور المرأة الفاعل في صنع التاريخ والتغيير.
