المرأة والنضال السياسي والتحرري

سمانيوز/شقائق/ تقرير/ افراح الحميقاني
المرأة هي نبراس للحرية ورمز للنضال والمستقبل المشرق، والتاريخ يحفظ لنا أسماء نساء كثيرات حول العالم شاركن في النضال السياسي، وتعرضن لكثير من القمع والتنكيل في سبيل تحرر أوطانهن، ومنهن من شاركن في العمل الثوري وحملن السلاح، ومنهن من كتبت بقلمها، وهناك أمثلة واضحة على ذلك نذكر منها المناضلة اليوغسلافية (ليبا راديتش) والتي أعدمت من قبل القوات النازية في عام 1941م أثناء الحرب العالمية الثانية وهي في عمر السابعة عشرة، وذلك بسبب نضالها السياسي والوطني ومشاركتها في العمل الثوري. وعند القبض عليها من قبل القوات النازية رفضت البوح بأسماء الثوار الذين شاركوها في العمليات الفدائية.
وأيضا الأخوات ميرابال، فقد كان لهن نشاط سياسي، وعُرفت الأخوات الثلاث باسم “الفراشات”، وهن: مينيرفا وباتريا وأنطونيا، اللاتي قتلن بالهراوات بأمر من رئيس جمهورية الدومنيكان رافائيل تروخيو نتيجة مقاومتهن لنظامه الديكتاتوري ونشاطهن السياسي الفعال، وذلك في 25 نوفمبر عام 1960م، وأحدث اغتيالهن غضباً كبيراً في الدومينيكان وثورة، ففي عام 1961م تم اغتيال رافاييل تروخيو في تلك الثورة، وتم الإطاحة بحكمه الديكتاتوري. ولقد خلد التاريخ ذكراهن ووثق ما تعرضن له من عنف وقتل بوحشية في الكتـاب التي ألفته أختهن الرابعة والناجية من المجزرة المروعة “ديدي” بعنوان : (يعيشون في حديقتي)، كما أنتج في عام 2001م فيلم سينمائي يخلد قصتهن سمي بـ (زمن الفراشات) للكاتبة الأمريكية من أصول دومينيكانية جوليا الفايز.
وفي جنوبنا الحبيب وبالذات في مدينة عدن خلد لنا التاريخ أسماء مناضلات في العمل السياسي والثوري، فمنهن من كتبت بقلمها ومنهن من شاركت في العمل التنظيم السياسي والتنظيمي، سواء في الجبهة القومية أو جبهة التحرير، وكن مناضلات لا يخشين الوقوف ضد الاحتلال البريطاني، فكان كل ما يشغل فكرهن هو العمل السياسي والفدائي حتى يتحقق الاستقلال الوطني للجنوب، ونذكر منهن على سبيل الذكر لا الحصر :
المناضلة نجوى مكاوي:
ولدت المناضلة الثورية نجوى عبدالقادر مكاوي عام 1931م، وكانت أسرة مكاوي من الأسر العريقة في مدينة عدن. تميزت نجوى مكاوي بصفات عديدة منها الشجاعة والصمود والكرم، كان لها دور ريادي في قيادة المظاهرات النسوية والتي كانت تطالب بالاستقلال، كما أنها فتحت منزلها في كريتر ليكون مأوى للفدائيين، وقدمت كل الدعم المادي للثورة وباعت الكثير من بيوتها التي امتلكتها عن والدها عبدالقادر مكاوي، فقد كانت هي الأبنة الوحيدة له، وشكلت أول خلية نسائية سياسية لتنظيم الجبهة القومية في عدن، وكانت تضم نجوى مكاوي وفتحية باسنيد ونجيبة محمد عبدالله وعائدة علي سعيد وفوزية محمد جعفر وثريا منقوش وزهرة هبة الله، وعقد أول اجتماع في منزل نجوى مكاوي.
كما كانت تمتلك سيارة فلوكس واجن ذات لون سماوي، وفي أحد المرات وأثناء توزيع نجوى مكاوي المنشورات قامت القوات البريطانية بربط سيارتها بسلاسل حديدية إلى إحدى الدبابات البريطانية وجرها بالقوة إلى مركز تحقيق لاستجوابها، وممارسة كل أساليب الضغط والترهيب ضدها، لكن محاولاتهم باءت بالفشل أمام صمود وشجاعة نجوى مكاوي، التي قامت بقيادة الدبابة البريطانية التي قتل فيها البريطانيين يوم سقوط كريتر في 20 يونيو 1967م.
وبعد تحقيق الاستقلال الوطني ورغم دورها النضالي والكفاحي لم تدخل في أي صراع سياسي، ولم تمنح أي منصب في الدولة، ورغم أنها عاشت في رغد الحياة إلا أنها اضطرت لبيع منزلها في حي القطيع بكريتر حتى تواجه الحياة المعيشية الصعبة التي كانت تعيشها، وكان بيع البيوت في ذلك الوقت ممنوعاً، فأصدر سالمين قراراً استثنائياً في ذلك الوقت مكنها من بيع بيتها. توفيت في 1 يناير عام 1981م.
المناضلة رضية إحسان الله:
ولدت رضية إحسان الله عمر في كريتر في عام 1933م، تلقت تعليمها الابتدائي والمتوسط في عدن، ثم سافرت الى سوريا حيث حصلت على الثانوية العامة. كانت إحدى القياديات النسوية في جبهة التحرير، وكان لها مواقف نضالية وبطولية أثناء فترة النضال الوطني نحو الاستقلال، فقد كان اسمها الحركي هو أبوبكر والذي عرفت به بين أوساط جبهة التحرير، وكانت تنقل الأسلحة للفدائيين مستخدمة سيارتين.
كما قادت المسيرات العمالية التي شهدتها كريتر تأييداً لتأميم قناة السويس عام 1956م، فهي عضو مؤسس لحزب الشعب الاشتراكي ورئيس دائرة المرأة في المؤتمر العمالي، وتعرضت للاعتقال عدة مرات وأضربت عن الطعام في سجنها وتم الإفراج عنها من قبل السلطات البريطانية قبل الاستقلال الوطني بسبب تدهور صحتها نتيجة إضرابها عن الطعام.
التحقت رضية إحسان الله بعد ذلك بجامعة بغداد وحصلت على بكالوريوس في القانون، وحصلت أيضاً على الماجستير في العلوم الإسلامية من جامعة البنجاب في باكستان وعلى الماجستير في الآداب من نفس الجامعة. برزت كداعية لحقوق المرأة في الخمسينات من القرن العشرين وعملت مديرة لفندق والدها إحسان الله ومديرة لمطبعة البعث المملوكة لمحمد سالم علي عبده، ومدرسة لغة عربية والشريعة الإسلامية في جامعة عدن، كان لها دور في تأسيس جمعية المرأة العربية واختيرت أميناً عاماً لها في عام 1960م. كما كانت مسؤولة التوعية في نقابة الصناعات المتنوعة بعدن، ألّفت العديد من الكتب منها وثائق حرب اليمن – عدن، والتعريف المبسط للشريعة الإسلامية، المدخل إلى الشريعة الإسلامية، وعدن الخالدة ميناء عالمي حر، توفيت في 14 يناير 2020م.
المناضلة زهرة هبة الله:
ولدت زهرة هبة الله علي في عدن في 18 يناير 1946م، من أسرة عريقة في العمل النضالي. وهي زوجة المناضل الوطني سلطان أحمد عمر، ووالدها هو صاحب مطبعة الفجر الجديد في كريتر، كان والدها صاحب ثقافة ومعرفة. درست الابتدائية والمتوسطة في مدارس عدن ثم التحقت بمدرسة القديس يوسف العالية (البادري) بكريتر، التحقت بعد ذلك بإدارة الهجرة في 13 يناير 1966م، وبعد ذلك بسلك التدريس، ثم درست الثانوية العامة والتحقت بكلية الآداب قسم فلسفة بجامعة القاهرة. عملت في التدريس منذ عام 1971م حتى 1986م، كانت تجيد – إضافة للغة العربية – الإنجليزية والجزراتية، وكانت من ضمن القطاع النسوي في الجبهة القومية، وكان اسمها التنظيمي “نعمة”، وقادت العديد من المسيرات المناهضة للاحتلال البريطاني، وبعد الاستقلال الوطني تم انتخابها في عضوية المجلس المركزي لاتحاد نساء اليمن، وذلك في المؤتمر الثاني للاتحاد، كما أعيد انتخابها عضواً في المجلس المركزي لاتحاد نساء اليمن خلال انعقاد المؤتمر الاستثنائي المنعقد في 7-8 مارس 1981م، وشاركت في انتخابات مجلس الشعب المحلي في عدن بعد انتخابها في الدورة الانتخابية المنعقدة عام 1983م، وحصلت على العديد من الميداليات والأوسمة منها على سبيل المثال لا الحصر : وسام الإخلاص في 1984م، وتوفيت في لندن 1986م.
المناضلة ماهية نجيب:
ماهية محمد عمر الشيبه، ولدت في مدينة كريتر بتاريخ 21 نوفمبر عام 1926م، وتعتبر أول امرأة تترأس تحرير مجلة نسائية في الجزيرة العربية والخليج، فقد ترأست تحرير مجلة فتاة شمسان وصدر العدد الأول منها في عدن عام 1960م، تزوجت ماهية نجيب في عام 1941م وهي في سن 15 من عمرها من نجيب أحمد علي سعد، وكان من أبناء مدينة التواهي، وعرفت بعد الزواج باسم ماهية نجيب نسبة لزوجها كعادة بعض الأسر العدنية.
وقد كانت ماهية نجيب تكتب في عدة صحف قبل أن تترأس صحيفتها (فتاة شمسان) باسم مستعار هو (بنت البلد)، وواجهت معارضة عند صدور مجلة فتاة شمسان، فقد وقف الشيخ علي باحميش على المنبر وكان خطيباً في مسجد العيدروس ليستنكر وبشدة ما قامت بها الإدارة البريطانية في منح ماهية نجيب تصريح لإدارة المجلة النسائية، وأنه لا يصح للمرأة العمل ومخالطة الرجال، وأنه على الإدارة البريطانية سحب الترخيص الممنوح للمجلة، لكن ذلك لم يثنها عن مواصلة مشوار نجاحها الصحفي المتميز، حيث كانت امرأة شجاعة واجهت كل القوى المعارضة لها ولم تلتفت لأي صعوبات تقف في طريقها بل تعدتها إلى الأمام حيث النجاح.
ناقشت ماهية في مجلتها كل القضايا المجتمعية في ذلك الوقت بكل جرأة، بل وتطرقت أحياناً لأخبار السياسة ونادت بحق المرأة في المشاركة السياسية وإدارة أمور المدينة، ومشاركة أخيها في ذلك، وكانت لها أنشطة في المجتمع العدني، حيث كانت عضوة في نادي نساء عدن وتعتبر إحدى المؤسسات للجمعية العدنية للنساء فيها.
شاركت ماهية نجيب في العديد من مؤتمرات الحركة النسائية العالمية منها مؤتمر نساء أفريقيا وآسيا الذي عقد في القاهرة في 15 يناير عام 1961م، وفي نفس العام أثارت ماهية نجيب قضية الحق السياسي للمرأة وذلك أثناء مقابلتها لحزب العمال البريطاني أثناء زيارته لعدن. كما مثلت المرأة في الجنوب العربي في لندن ضمن وفد إعلامي، والتقى هذا الوفد ممثلاً بماهية نجيب بقيادة مجلس العموم البريطاني، وكذلك شاركت في المؤتمر النسائي العربي في لبنان عام 1962م. غادرت ماهية نجيب مدينة عدن متجهة للمملكة العربية السعودية في عام 1966م لتعيش مع أخيها في مدينة جدة، وتوفيت في 28 يوليو 1982م.
المناضلة رضية شمشير:
رضية شمشير من الشخصيات النسائية الرائدة في عدن، وتعتبر أولى الصحفيات على مستوى الجزيرة العربية والخليج. ولدت في عام 1948م بمدينة كريتر، وهي حاصلة على بكالوريوس صحافة وإعلام من دولة الجزائر عام 1972م، ودبلوم صحافة وإعلام من دولة المجر الشعبية عام 1980م.
ساهمت رضية شمشير في مقاومة الاحتلال البريطاني، فقد ارتبطت بالنضال السياسي والوطني، حيث انضمت للخلية النسائية في جبهة التحرير في عام 1965م، وشاركت في المظاهرات العمالية والنقابية والطلابية في عدن ضد الاحتلال البريطاني، وساهمت في توزيع المنشورات المضادة للمحتل البريطاني في عدن، وإيصال المواد الغذائية للفدائيين.
شاركت وحضرت العديد من الندوات والمؤتمرات الدولية، وتقلدت العديد من المناصب بعد الاستقلال الوطني في اتحاد نساء اليمن، منها على سبيل المثال الأمين العام المساعد لاتحاد نساء اليمن. كما تقلدت منصب مسؤولة الإعلام الخارجي في وزارة الإعلام في عدن بين عامي 1972- 1974م، وكانت أيضا سكرتيرة تحرير المجلة الثقافية الجديدة للفترة من 1974م حتى 1982م، كما كانت من مؤسسي نقابة الصحفيين في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، والتي أنشئت في عام 1976م.
تم تكريم رضية شمشير وتقليدها وسام الإخلاص في الذكرى العشرين لتأسيس الاتحاد العام لنساء اليمن في عام 1988م. كما تم تكريمها من جامعة الجزائر عام 2014م كونها أول خريجة في اليمن والجزيرة العربية متخصصة في الصحافة والإعلام. عملت كمستشارة لعدد من منظمات المجتمع المدني، وعينت في نقابة الصحفيين الجنوبيين بعدن نائبة للأستاذ عيدروس باحشون نقيب الصحفيين الجنوبيين.
