مقالات

لماذا يتباهى البعض على أن الاستعمار البريطاني بنى عدن لأجل عدن وإنسان عدن؟

بقلم/ أحمد بافقيه – رسام كاريكاتير

عندما نبحث عن تاريخ بريطانيا في عدن من ناحية (ادخال التطور والحداثة) إليها، سنجد أن معظمها إن لم يكن جميعها ظهر في بداية الخمسينات من القرن الماضي.
وهذا بعد أن فقدت بريطانيا بعض من مراكزها الاستعمارية الهامة وتحديداً بعد استقلال الهند عن الحكم البريطاني عام 1947م، واستقلال مصر عام 1954م، بعد سقوط الحكم الملكي الموالي لبريطانيا في ثورة يوليو عام 1952م.
فنقلت بريطانيا ضباطها وقادتها وثقلها إلى مدينة عدن. ومن اجل توفير الرفاهية والراحة لقادتها ذوو الوزن الثقيل، شيد الشارع الرئيسي في المعلا، وبنيت العمارات وسكن فيها مستوى معين من الضباط.. كذلك ڤلل المدينة البيضاء بخورمكسر التي خصصت لكبار القادة العسكريين وبالتحديد الطيارين وضباط سلاح الجو الملكي، لقربها من المطار العسكري.
واذا نظرنا إلى الميناء، فبالرغم من افتتاح قناة السويس عام 1869م فميناء عدن لم يشهد له أي نهضة وتطور إلا في عام 1950م، ليصبح واحداً من أكثر الموانئ ازدحاماً لتموين السفن بالوقود، ومركزاً للتسوق والتجارة في العالم. ومنها ازدهرت مدينة التواهي بعد أن هُيأت عدن لتكون مزار سياحي وتجاري بعد أن فقدت بريطانيا نشاطها التجاري في الدول التي نالت استقلالها، فظهرت العلامات التجارية المشهورة، وفتحت مراكز الوكلاء التجاريين، وفي المقابل سطعت أنوار (عائلات) المال والأعمال منها العدنية الأصلية ومنها الهندية وغيرهما.
بنيت مصفاة عدن وميناء الزيت في منتصف الخمسينيات لاستقبال النفط وتكريره من دول أخرى وتوفير مختلف درجات الوقود التي تحتاجها السفن التي ترسو في الميناء. وبنفس المسار كان لابد من تحديث المطار المدني لاستقبال طائرات الركاب الكبيرة والمتطورة آنذاك.
منذ احتلال بريطانيا لعدن عام 1839م، كانت العملة المستخدمة هي الروبية الهندية، حتى جاء النصف الثاني من عام 1951م. وقتها أصدرت حكومة بريطانيا في عدن قرار رسمي بتحويل العملة من الروبية الهندية إلى الشلن الشرق أفريقي في عدن ومحمياتها وتحديداً في الاول من أكتوبر من ذلك العام، وتضمن القرار جدولة وأماكن استبدال العملة خلال شهر اكتوبر. وتم تحديد سعر صرف استبدال الروبية الهندية بالشلن الأفريقي.

وبنظرة سريعة نجد أن عدن لم تحظى بأي اهتمام من بريطانيا منذ تاريخ الاحتلال عام 1839م إلى 1950م (111 عام)، فكانت عدن بالنسبة للمملكة التي لا تغيب عنها الشمس عبارة عن نقطة استراتيجية محورية لمستعمراتها الكبرى في المنطقة، والاستفادة من موقعها الاستراتيجي البحري عسكرياً أكثر منه تجارياً.
فالنهضة العمرانية والتجارية والسياحية التي بنتها بريطانيا.. لم تبنيه لأجل المواطنين الأصليين.. بل لمصلحتها البحتة، بعد فقدانها لمراكزها الرئيسية في المنطقة، وبالتالي تحويل عدن كمركز رئيسي لمستعمراتها المتبقية في شرق آسيا والخليج العربي وشرق أفريقيا.
هناك مناطق شاسعة من السواحل وأماكن الترفية التي تحولت إلى نوادي ومنتجعات، مخصصة فقط للضباط والجنود الإنجليز، وبعض وجاهات العائلات العدنية والهندية المقربة لمصالح صاحبة الجلالة. كذلك العمارات والڤلل الحديثة.
فكثير من المراجع والدراسات التاريخية لم تذكر أن المواطن الأصلي في عدن نال الاهتمام الخاص من تلك الحداثة والتطور من قبل الحكم البريطاني، فالنهضة الفكرية والثقافية والتجارية التي أسسها المواطن الأصلي جاءت بجهود ذاتية وبالفطرة الوراثية التي يتميز بها، استطاع من خلالها استغلال بعض المزايا الموجودة في القوانين التي وضعها الحاكم الإنجليزي لمدينة عدن، وانفتاح السوق المحلي بالسوق العالمي كمنطقة تجارية حرة.

الصورة العامة للمواطن الأصلي في عدن إبان الاستعمار البريطاني، هي نفس الصورة للمواطن الأصلي في أي من المستعمرات واهمها الهند ومصر (كأقرب مثالين)، إن لم يكن أقلهما اهتماماً، فلم يضع المستعمر أي لبنة تكون هي حجر الاساس لبناء مواطن قوي متطور لربما يحطم قوة دولته ويقف نداً أمام هيبة صاحبة الجلالة. وإن حدث، ألا يقيم دولته المستقلة على أعلى مستوى من التطور والقوة الفكرية والاقتصادية.
فلم نشهد بناء المدارس والجامعات ذو التعليم العالي او مصانع تغطي احتياجات السوق المحلية وتستوعب أيادي عاملة من جميع فئات المواطنين، أو إقامة مؤسسات اقتصادية حيوية، خلاف بعض بيوت المال الاجنبية المصرح لها من صاحبة الجلالة.

فلماذا يتباهى البعض على أن الاستعمار البريطاني بنى عدن لأجل عدن وإنسان عدن؟
فالحقيقة المرة التي تحدث عنها التاريخ، أنه وقبل خروج آخر جندي بريطاني في 29 نوفمبر عام 1967م من عدن وإعلان الاستقلال يوم 30 نوفمبر من نفس العام.. خططت بريطانيا على الا تقوى عدن على الاستفادة من تركتها لاسقاطه على خارطة بناء دولة مستقلة بكيان قوي، بل نثرت رذاذ سمومها في الأجواء الفكرية كي تورثنا أعباء وإعياء، لازالت آثارها باقية حتى اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى