أجندات مدفوعة لا تخلو من أطماع… كيف يحاول «بن حبريش فصل حضرموت عن جسد الجنوب ؟

سمانيوز/تقرير/عبدالسلام عارف
لطالما كانت حضرموت بتاريخها الضارب في جذور الحضارة، وأهميتها الجيوسياسية والاقتصادية، حجر الزاوية في تاريخ الجنوب وهويته.
فحضرموت ليست مجرد محافظة، بل هي امتداد حضاري عريق شهد ممالك عظيمة، ازدهرت بفضل موقعها التجاري وثرواتها الطبيعية، وامتد نفوذها الثقافي والاقتصادي ليشمل مناطق واسعة.
وفي خضم التحولات التي شهدها الجنوب تأسس حلف قبائل حضرموت في يوليو 2013، كرد فعل طبيعي على سنوات طويلة من الإهمال والتهميش الممنهج الذي طال المحافظة وثرواتها، وهو ما أثار حفيظة أبنائها المطالبين بحقوقهم المسلوبة.
في هذا السياق، برز الشيخ عمرو بن حبريش العليي الحمومي كشخصية قيادية للحلف، إلا أن مسيرته شابها الكثير من علامات الاستفهام والتحفظات من قبل القوى الوطنية الجنوبية، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي.. فبينما يرفع بن حبريش شعار الحكم الذاتي لحضرموت، وتقرير مصير المحافظة بأكملها عن الجنوب، وانفراده بقرارها السياسي لتنفيذ مصالحه الشخصية، يرى المجلس الانتقالي أن هذا الطرح لا يخدم سوى أجندات مشبوهة، تهدف إلى فصل حضرموت عن جسد الجنوب وتقويض استعادة دولة الجنوب ذات سيادة.
هذا التباين يستدعي فهم معمق لأهداف بن حبريش الحقيقية، والكشف عن سعيه المحموم لتحقيق طموحات شخصية على حساب تضحيات شعب الجنوب وقضيته العادلة.. يهدف هذا التحليل الخاص بصحيفة “سمانيوز” إلى تقديم رؤية واضحة ومفصلة لمواقف وتحركات بن حبريش، مع التركيز بشكل خاص على طموحاته الذاتية وتأثيرها السلبي على مسيرة التحرر الجنوبي، بالإضافة إلى تحليل مبادرة البحسني وبن بريك الأخيرة وتقييمها في سياق هذه التطورات.
البداية – حلف قبائل حضرموت
انبثق حلف قبائل حضرموت في الرابع من يوليو عام 2013 من رحم المعاناة التي عاشتها حضرموت لعقود طويلة، حيث جاء تأسيسه في منطقة وادي نحب بمديرية غيل بن يمين، كرد فعل طبيعي وحتمي على التهميش السياسي والاستنزاف الاقتصادي الذي طال المحافظة في ظل صمت تجاه حقوق أبنائها. وقد شكل ظهور الحلف حينها منعطفاً تاريخياً بارزاً، إذ مثل تحدياً مباشراً لمحاولات طمس الهوية الجنوبية لحضرموت، وصوتاً قبلياً موحداً للمطالبة بحقوق مشروعة طال تجاهلها، وكان في طليعة من قادوا هذه المبادرة الشهيد المقدم سعد بن حمد بن حبريش العليي الحمومي، الذي يعد أحد أبرز مؤسسي الحلف وركائزه الأولى.
غير أن مسار الحلف شهد تحولاً لافتاً عقب استشهاد المقدم سعد بن حبريش في ديسمبر 2013 برصاص “قوات الاحتلال اليمني”، ما أدى إلى تصعيد الشيخ عمرو بن حبريش إلى موقع القيادة، لكن هذا التصعيد لم يخلُ من الجدل، إذ اتسمت قيادته لاحقاً بخطوات أثارت الريبة خاصة بعد استقالته من منصبه كوكيل لمحافظة حضرموت الوادي والصحراء، ليقوم في أغسطس 2024 بخطوة مفاجئة بإعادة إحياء الحلف، مدعوماً من أطراف إقليمية توصف بأنها تسعى لخلخلة الوضع الأمني والسياسي في الجنوب.
وقد تجلى هذا الإحياء من خلال تحركات ميدانية مثيرة للقلق تمثلت في نشر مجاميع مسلحة تابعة للحلف في عدد من المناطق، وإنشاء نقاط تفتيش، وقطع إمدادات الوقود عن العاصمة عدن، إضافة إلى ممارسة ضغوط سياسية اعتبرها كثيرون نوعاً من الابتزاز لتحقيق مصالح شخصية، الأمر الذي أثار حفيظة الشارع الجنوبي وطرح تساؤلات حول نوايا القيادة الجديدة للحلف، خاصة مع ما بدا من توجهات مريبة نحو عسكرة العمل القبلي لصالح أجندات غير معلنة.
ورغم أن الحلف نشأ في الأصل كإطار مدني جامع يسعى لمعالجة التدهور الأمني والاقتصادي في حضرموت، فإن مساره تحت قيادة بن حبريش انحرف تدريجياً ليتبنى مطلب “الحكم الذاتي الكامل الصلاحيات وتقرير المصير”، وهو مطلب مثير للجدل اعتبره البعض غطاءً لمحاولة فصل حضرموت عن محيطها الجنوبي التاريخي.
هذا التحول في الخطاب والسياسة لم يمر دون اعتراضات من الداخل، إذ شهد شهر مارس 2025 انسحابات جماعية من هيئة رئاسة الحلف، حيث أعلن عدد من المؤسسين وأعضاء القيادة القبلية سحب الثقة من عمرو بن حبريش، متهمين إياه بتجاوز المبادئ التأسيسية والتفرد باتخاذ قرارات مصيرية دون الرجوع إلى المرجعيات القبلية، ما يعكس وجود انقسامات عميقة وخلافات متجذرة حول مستقبل الحلف وتوجهاته.
تصريحات ومواقف بن حبريش
واصل الشيخ عمرو بن حبريش تصعيده السياسي والإعلامي ضد المجلس الانتقالي الجنوبي، في محاولات متكررة تهدف إلى التشكيك في شرعية المجلس وتمثيله الحقيقي لأبناء الجنوب عموماً ولحضرموت على وجه الخصوص، إذ لم يتوانَ في إطلاق تصريحات عدائية تهاجم المجلس الانتقالي، متجاهلًا الحقائق الميدانية والدعم الشعبي المتزايد الذي يحظى به المجلس في أوساط الشارع الحضرمي والجنوب.
وفي تصريحات مثيرة للجدل، ادعى بن حبريش أن المجلس الانتقالي، الذي يتخذ من العاصمة عدن مقرًا له، لا يمثل الحضارم وأن أي تمثيل سياسي لحضرموت يجب أن يكون حصرياً للقوى المحلية، في مسعى مكشوف لنزع الهوية الجنوبية عن حضرموت وفصلها قسرًا عن عمقها التاريخي والجغرافي.
بل ووصف تلك التصريحات الاستفزازية من جانبه بأنها “تصعيد سياسي”، متناسياً أن المجلس الانتقالي قد جاء بإرادة شعبية جنوبية نابعة من عقود من النضال، وبتفويض جماهيري واسع من المهرة إلى باب المندب.
كما عمد بن حبريش إلى إطلاق مزاعم واهية، مفادها أن القوى السياسية الحضرمية هي الوحيدة المخولة بتمثيل أبناء حضرموت، ضارباً عرض الحائط واقع الحراك الشعبي المؤيد للمجلس في المكلا وسيئون وساحات حضرموت كافة، في محاولة مفضوحة لإقصاء الانتقالي والتشويش على المشروع الوطني الجامع.
صراع وتناقضات
تكشف التطورات الأخيرة في محافظة حضرموت عن صراع مكشوف، بين إرادة جنوبية حرة يقودها المجلس الانتقالي الجنوبي، ومشاريع تفتيتية مشبوهة يتزعمها ما يسمى بـ”حلف قبائل حضرموت” بقيادة بن حبريش، الذي بدأ يتحرك خارج السياق الوطني الجنوبي ضارباً عرض الحائط تضحيات أبناء الجنوب وتاريخهم النضالي الممتد لعقود.
فبينما يؤكد المجلس الانتقالي الجنوبي، في كل مناسبة، أن حضرموت تمثل العمق التاريخي والاستراتيجي لدولة الجنوب العربي القادمة، وأنها جزء أصيل لا يمكن فصله بأي حال من الأحوال عن مشروع التحرير والاستقلال، تصرّ قيادات الحلف وعلى رأسهم بن حبريش على فرض أجندات غريبة ومرفوضة شعبياً، من خلال المطالبة بما يسمى بـ”الحكم الذاتي”، في محاولة لتفريغ القضية الجنوبية من مضمونها الثوري والسياسي.
وقد بلغت هذه التحركات المشبوهة ذروتها عقب الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي إلى حضرموت، والتي لاقت ترحيباً شعبياً واسعاً من أبناء المحافظة، الذين خرجوا يهتفون بدولة الجنوب ويرحبون بقيادتهم السياسية، إلا أن بن حبريش – وبشكل لا يخلو عن نوايا عدائية – شن هجوماً شخصياً مسيئاً للرئيس الزُبيدي وعلى المجلس الانتقالي الجنوبي بشكل عام.
طموحات شخصية
بينما يرى البعض أن الشيخ عمرو بن حبريش ينتمي إلى أسرة قدمت تضحيات كبيرة من أجل حضرموت، وأنه لم يسعَ يوماً لتحقيق مكاسب شخصية أو مادية بل كرس حياته للدفاع عن قضاياها وحمايتها، تتصاعد في المقابل اتهامات قوية تشير إلى أن طموحات بن حبريش السياسية والشخصية هي الدافع الرئيسي وراء تحركاته المشبوهة، فقد أعلن أعضاء بارزون في حلف قبائل حضرموت عن سحب الثقة منه، بسبب ما وصفوه بمحاولة استغلال الحلف في تحقيق أجندة سياسية خاصة، والتفرد باتخاذ القرارات المصيرية دون الرجوع إلى القيادات القبلية، مؤكدين أن ما يحدث من تصرفات يقوم بها بن حبريش يمثل تجاوزاً واضحاً لمبادئ وأهداف الحلف، وأن الحقيقة هي أن هناك مصالح شخصية يتم الترويج لها تحت ستار الدفاع عن حقوق حضرموت.
وتشير تقارير أخرى إلى وجود أصوات ناقدة متزايدة داخل النسيج القبلي الحضرمي، تتهم بن حبريش بالاستئثار بالسلطة داخل الحلف وتوجيهه نحو تحقيق مصالح ضيقة لا تخدم المصلحة العامة لأبناء حضرموت والجنوب، كما يُتهم بالسعي إلى إنشاء قوة عسكرية وأمنية خارج إطار الدولة ومؤسساتها الرسمية لتحل محل قوات النخبة الحضرمية، مما يعزز الاعتقاد بأنه يسعى لتأسيس قاعدة نفوذ شخصية مستقلة تخدم طموحاته.
رؤية المجلس الانتقالي
يؤكد المجلس الانتقالي الجنوبي مراراً وتكراراً، وبشكل قاطع لا لبس فيه، أن حضرموت هي جزء لا يتجزأ من الجنوب العربي. بل يذهب المجلس إلى أبعد من ذلك، ليؤكد أن الجنوب بأكمله هو جزء من حضرموت، مشدداً على الأهمية التاريخية والثقافية والاقتصادية الاستثنائية للمحافظة، ودورها المحوري في تشكيل الهوية الجنوبية الجامعة.
ويرى المجلس أن حضرموت كانت وستظل دائماً هي العمود الفقري للجنوب العربي، وأنه لا يمكن تصور جنوب عربي موحد ومستقل وقوي بدون حضرموت، تماماً كما لا يمكن تصور حضرموت مزدهرة ومستقرة خارج إطار الجنوب العربي.
وقد عبر المجلس عن حرصه الشديد على عدم السماح بانزلاق المحافظة إلى أتون صراعات داخلية تخدم أجندات خارجية، مع التأكيد في الوقت ذاته على دعمه الكامل لمطالب حضرموت العادلة والمشروعة، وتوفير كافة الخدمات الأساسية والتنموية لها.
ويؤكد المجلس الانتقالي أنه يمثل إرادة شعبية واسعة في كافة محافظات الجنوب، وليس مجرد فصيل يسعى لإقصاء أي طرف، بل يعمل جاهداً على تمكين أبناء حضرموت من استعادة كافة حقوقهم المشروعة، والعيش في ظل دولة جنوبية عصرية تضمن لهم الحرية والكرامة والسيادة الكاملة على أرضهم وثرواتهم.
“لقاء الهضبة”
استجاب عدد محدود من قبائل حضرموت لدعوة مشبوهة من الشيخ عمرو بن حبريش، لعقد اجتماع موسع في هضبة حضرموت تحت شعار زائف، يهدف لفرض سيطرة أبناء حضرموت على أراضيهم واستعادة حقوقهم المسلوبة. وقد هدف ذلك اللقاء في حقيقته إلى محاولة يائسة لتعزيز الانقسام القبلي في المحافظة وتأجيج المشاعر ضد المجلس الانتقالي الجنوبي، بالإضافة إلى محاولة تكريس نفوذ بن حبريش المتآكل.
خلال اللقاء، ألقى الشيخ عمرو بن حبريش كلمة ركز فيها بشكل أساسي على ضرورة حصول حضرموت على ما أسماه “استحقاقاتها المستحقة” في مختلف المجالات، الخدمية والسياسية وغيرها، مدعياً كذباً أنه “لا سلام من دون أهل الأرض، ولا استقرار إلا بأهل الأرض”.
كما أعاد التأكيد بشكل مبالغ فيه على مطلبه المثير للجدل بالحكم الذاتي لحضرموت، معتبراً إياه “الخيار الوحيد” الذي يضمن لأبناء المحافظة إدارة شؤونهم، بعيدًا عن “الصراعات والمناكفات السياسية”، في إشارة مبطنة إلى رفضه الانضواء تحت مظلة الدولة الجنوبية التي يسعى المجلس الانتقالي لتأسيسها.
وادّعى بن حبريش أن حضرموت تسعى لما وصفه بـ”وضع خاص” بها، وأنها لا يمكن أن تبقى مجرد طرف تابع للأطراف المتصارعة، مؤكدا أن “تجربة الماضي أثبتت أنه لا يوجد صالح لحضرموت إلا بأن تأخذ حقها في حكم ذاتي يمكنها من خلاله تسيير أمورها، بغض النظر عن الصراعات الدائرة”، وهو طرح يهدف إلى تفتيت وحدة الجنوب وإضعاف قضيته العادلة.
مقارنة بين بن حبريش والانتقالي
يتضح من خلال تتبع الخطاب السياسي لكل من بن حبريش والمجلس الانتقالي الجنوبي، أن هناك اختلافاً جذرياً في الأهداف والرؤى. ففي حين يطرح بن حبريش مشروعاً يدعو لحكم ذاتي لحضرموت بمعزل عن الجنوب، مع وضع خاص وتحكم مستقل في الموارد والعلاقات الخارجية، فإن المجلس الانتقالي يقدم رؤية شاملة ووطنية تضع حضرموت في قلب مشروع الدولة الجنوبية المستقلة، باعتبارها مكوناً أساسياً لا يمكن فصله عن نسيج الجنوب العربي الواحد.
يحاول بن حبريش أن يفرض واقعاً سياسياً يخدم مصالحه الشخصية، ويكرس التبعية لقوى خارجية عبر تجاوز المجلس الانتقالي، في خطوات تعكس نزعة خطيرة. كما يسعى إلى احتكار تمثيل حضرموت عبر واجهة قبلية ضيقة، متجاهلاً بقية القوى الحضرمية الحقيقية التي تناضل من أجل مستقبل حضرموت في إطار دولة جنوبية عادلة.
أما المجلس الانتقالي الجنوبي، فيظهر التزاماً واضحاً بحضرموت كجزء أصيل من الجنوب، ويؤمن بأن حقوق أبنائها لن تتحقق إلا من خلال مشروع وطني اتحادي يضمن العدالة في توزيع الموارد، ويعطي حضرموت مكانتها الطبيعية سياسياً واقتصادياً وثقافياً.
الانتقالي لا يدعو للوصاية، بل يطرح شراكة حقيقية تقوم على التاريخ المشترك ووحدة المصير الجنوبي، مع تمثيل عادل لكل أبناء حضرموت داخل مؤسسات الدولة الجنوبية القادمة.
إن الفرق بين المشروعين هو الفرق بين مشروع يسعى لتفكيك الجنوب تحت شعارات مغلفة بالحقوق، وبين مشروع وطني جامع يسعى لبناء دولة قوية لكل أبنائها. وفي هذا السياق تبدو دعوات بن حبريش معزولة ولا تحظى بالإجماع الحضرمي في مقابل رؤية المجلس الانتقالي التي تحظى بدعم شعبي واسع في حضرموت وبقية محافظات الجنوب.
المعركة اليوم ليست فقط على الموارد أو النفوذ بل على الهوية والمصير، والمجلس الانتقالي الجنوبي هو الجهة الوحيدة التي تطرح مشروعاً متماسكاً يعبر عن طموحات الجنوبيين، وفي مقدمتهم أبناء حضرموت.
كيف يقلل بن حبريش من مكانة حضرموت؟
يرى المجلس الانتقالي الجنوبي أن تركيز الشيخ عمرو بن حبريش، في لقائه الأخير، على المطالب الحقوقية والخدمية الآنية لحضرموت، مع إبراز تحالفاته المشبوهة مع أطراف خطيرة، يمثل تجاهلاً واضحاً وتقليلاً متعمداً من الأهمية التاريخية العميقة لحضرموت كجزء لا يتجزأ من الجنوب العربي.
فمن منظور المجلس الانتقالي، فإن التاريخ المشترك للجنوب كوحدة واحدة – بما في ذلك حضرموت – هو الركيزة الأساسية التي يستند إليها مشروعهم الوطني لاستعادة الدولة الجنوبية المستقلة ذات السيادة.
وعندما يغلب على خطاب بن حبريش التركيز على مظالم حضرموت الحالية والحاجة إلى حكم ذاتي لمعالجتها، دون أي تأكيد حقيقي على وحدة المصير والتاريخ المشترك مع بقية محافظات الجنوب، فإن ذلك يُفسر بوضوح على أنه محاولة لترسيخ هوية حضرمية منفصلة، أو على الأقل منحها أولوية زائفة على الهوية الجنوبية الجامعة التي يتبناها المجلس الانتقالي بدعم شعبي واسع.
إن المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يرتكز مشروعه السياسي على سردية تاريخية قوية للجنوب كوحدة واحدة تعرضت للظلم والتهميش، يرى في أي خطاب يحاول الانتقاص من هذه الوحدة التاريخية أو تهميشها تهديداً مباشراً لأسس مشروعه الوطني.
فبالنسبة للمجلس، فإن حضرموت ليست مجرد كيان جغرافي أو تجمع قبلي له مطالب خدمية بل هي جزء حيوي من النسيج الجنوبي المتماسك بتاريخه وثقافته وتضحياته المشتركة من أجل استعادة الدولة الجنوبية.
وبالتالي، فإن تركيز بن حبريش على المطالب الآنية والتحالفات المشبوهة، مع تجاهل شبه كامل لهذا البعد التاريخي الجنوبي الأصيل، لا يمكن تفسيره إلا على أنه تكتيك يهدف إلى تهميش الهوية الجنوبية الجامعة، وخدمة أجندة أخرى لا تتوافق إطلاقاً مع هدف الجنوب العربي المستقل بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي.
مبادرة بن بريك والبحسني
في خضم هذه التطورات المتسارعة، قدم اللواء الركن فرج سالمين البحسني، نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي وعضو مجلس القيادة الرئاسي، مبادرة شاملة لمعالجة التوترات القائمة وتلبية المطالب الخدمية والاقتصادية الملحة.
تضمنت مبادرة البحسني – التي شددت على ضرورة التكاتف ونبذ الانقسامات – مقترحات عملية تشمل تخصيص عائدات النفط لتمويل مشاريع حيوية، كإنشاء محطتي كهرباء ومستشفى عام، بالإضافة إلى الدعوة لتحقيق شفاف في شبهات الفساد، وإشراك أبناء حضرموت في المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتعزيز الإدارة المحلية للموارد.
وشكلت الدعوة إلى تأسيس حامل سياسي حضرمي جامع يمثل كافة المكونات، بعيداً عن الصراعات والإقصاء، حجر الزاوية في هذه المبادرة بهدف بلورة رؤية موحدة تعلي مصلحة حضرموت العليا.
وقد لاقت هذه الدعوة، وبشكل خاص محورها المتعلق بالحامل السياسي، تأييداً صريحاً من اللواء الركن أحمد سعيد بن بريك، نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي ومحافظ حضرموت الأسبق.
ففي بيان سياسي منفصل، أكد بن بريك على أهمية ومحورية حضرموت، وضرورة استحضار المسؤولية التاريخية تجاهها، مشيداً بوعي أبنائها وحرصهم على التماسك.
واتفق بيان بن بريك مع رؤية البحسني، مؤيداً “بكل مضامينها”، الدعوة لتشكيل حامل سياسي حضرمي حقيقي وشامل، يضم كافة القوى السياسية والمدنية والاجتماعية والقبلية. وشدد كلاهما على أن وحدة الصف الحضرمي هي الضامن لمصالح المحافظة، وأن التنوع السياسي يجب أن يكون مصدر قوة وشراكة وطنية، لا أداة للتمزيق أو الإقصاء أو التفرد.
ختامًا..
ومن خلال المعطيات الآنفة الذكر، يسعى الشيخ عمرو بن حبريش إلى قيادة حلف قبائل حضرموت وفقاً لأجنداته الشخصية الواضحة، وربما المدفوعة بالباطن، ليس أقلها الحصول على حكم ذاتي، ولو لجزء من محافظة حضرموت، وهو ما يتعارض بشكل جذري مع نضال وتضحيات شعب الجنوب عموماً ورؤية المجلس الانتقالي الجنوبي خاصة بصفته حاملاً للقضية الجنوبية، والذي يشدد دائماً وأبداً على أن حضرموت جزء لا يتجزأ من الدولة الجنوبية الفدرالية المستقلة القادمة.
وقد تبين بوضوح هذا التعارض في “لقاء الهضبة”، الذي ركز فيه بن حبريش في بيانه على المطالب الحقوقية الآنية لحضرموت، وإمكانية تحقيق حكم ذاتي بدعم إقليمي، مع تجاهل متعمد للبعد التاريخي العميق لاندماج حضرموت في الهوية الجنوبية، وهذا ما لا يخدم القضية الجنوبية بل يعمل على تقويضها وتفتيت الصف الجنوبي عموماً، وإيجاد كيانات منفصلة قد تخدم مصالح شخصية أو أجندات خارجية مشبوهة، وهذا باعتقادي ما لا يمكن القبول به وفقاً للإجماع الشعبي والرسمي الجنوبي.
