مقالات

دولة بأخلاقيات الشارع

كتب: علي محمد سيقلي

 

ليست كل الدول تُقاس بمساحة الأرض، ولا بعدد الأبراج والمولات، ولا بحجم ما تملكه من المال والنفوذ.

بعض الدول، مهما تأنقت بالبذخ، تبقى في الداخل مجرد “شلة طراطير وعيال حارة”، تدير السياسة بعقلية “من يدفع أكثر يكسب الجولة”، وتحكم العلاقات بمنطق “نحن الأقوى، والقرار بأيدينا”، وتتعامل مع الشعوب كما يتعامل سمسار مزاجي مع زبائنه في آخر الليل.

هناك دول لا تمتلك مشروعًا سياسيًا حقيقيًا، بل تملك “ميزانية تخريب” فقط.

كل ما تعرفه هو شراء الذمم، وإدارة الجيوش الإلكترونية، وتحويل السوشيال ميديا إلى حارة شعبية مليئة بالشتائم والإشاعات والتسريبات الرخيصة.

فإذا اختلفت معك، لم تناقشك كدولة محترمة، بل ترسل لك حاكم استخباراتي، وكتيبة حسابات وهمية، نصفها بأسماء نسائية، والنصف الآخر بصور عاهرات ومخنثين، لتشرح لك ـ بكل وقاحة ـ لماذا يجب أن تبيع وطنك وتطبل لمن يدفع.

المشكلة ليست في “الذباب الإلكتروني” نفسه، فهذا مجرد عرض جانبي، بل في العقلية التي تديره.

عقلية تعتقد أننا شعب رخيص يشترى كما تُشترى بائعات الهوى، وأن الكرامة يمكن تحويلها إلى “ترند”، وأن التاريخ يمكن تزويره عبر هاشتاق مدفوع الثمن.

هذه الدولة الوصية لا تفهم معنى الاحترام، لأنها ببساطة تربت على أن المال يستطيع شراء كل شيء.

وحين تصطدم بشعب يرفض البيع، تصاب بالارتباك، ثم تبدأ بالتصرف كما يتصرف بلطجي فقد أعصابه في منتصف الشارع:

تقطع المرتبات، تفتعل الأزمات، تموّل الفوضى، تحرّض الأطراف ضد بعضها، ثم تخرج بوجه المصلح الحكيم وهي تمسك علبة الكبريت بيدها.

والأكثر سخرية، أنها تريد من الجميع أن يشكروها على الخراب.

كمن يحرق منزلك، ثم يطالبك بالامتنان لأنه سمح لك بالوقوف قرب الرماد.

دولة كهذه لا ترى الشعوب أوطانًا، بل “ملفات استثمار”.

ولا ترى السياسيين رجال دولة، بل أدوات رخيصة قابلة للتبديل.

ولا ترى الإعلام رسالة، بل مجموعة مرتزقة مهمتهم اليومية:

“من سندافع عنه اليوم؟ ومن سنشتم الليلة؟”

حتى اللغة تغيّرت.

لم يعد هناك خطاب سياسي محترم، ولا دبلوماسية، ولا حتى محاولة لإخفاء القبح.

كل شيء أصبح شوارعيًا بشكل فج:

تسريبات على منصة X شتائم، حملات تشويه، تخوين، شراء ولاءات، وصناعة مكونات من ورق يمكن إحراقهم في أول خلاف على الحصص.

والطريف المبكي، أن هذه الدولة تتحدث كثيرًا عن الاستقرار، بينما هي أكبر مصنع للفوضى.

تشبه رجلًا يشعل النار في السوق، ثم يركض حاملاً “طفاية حريق” ليظهر أمام الناس بصورة المنقذ.

لكن المشكلة الكبرى ليست فيها وحدها،

بل في أولئك الذين تعودوا العيش تحت موائدها، حتى فقدوا القدرة على التمييز بين الدولة والسمسار، بين الدعم والابتزاز، بين التحالف والوصاية.

لقد نجحت هذه العقلية طويلًا، لأن هناك من اعتقد أن الأوطان يمكن أن تعيش على “البنكس” أكثر مما تعيش على الكرامة.

وأن المواقف تُفصّل بحسب سعر الصرف، وأن الوطنية مجرد وظيفة موسمية قابلة للتجديد.

غير أن الشعوب، مهما تعبت، تمتلك شيئًا لا تستطيع الأموال شراءه:

الذاكرة.

والذاكرة لا تنسى من حوّل السياسة إلى سوق شعبي، والإعلام إلى حفلة سباب، والكرامة الوطنية إلى إعلان ممول على منصة مشبوهة.

في النهاية، قد تستطيع دولة بأخلاقيات الشارع أن تشتري “المتافل” من رجال اليمن، لكنها لن تصنع احترامًا دائمًا.

فالاحترام لا يُشترى بالمال، ولا يُدار بالذباب الإلكتروني، ولا يُفرض بالوصاية.

الاحترام تصنعه الدول التي تمتلك أخلاق دولة، لا عقلية “مشرف مجموعة واتساب” يعتقد أن العالم كله يمكن إدارته بزر “حظر للجميع”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى