آداب و ثقافة

ذهب وعملات نادرة وأسرار مدفونة.. اكتشاف أثري يهز أوروبا

حضارة اختفت بلا حروب

سمانيوز/ متابعات /مرفت عبدالحميد

 

في اكتشاف استثنائي قلب موازين العمل في أحد مشاريع الطرق، قادت أعمال الإنشاءات في جمهورية التشيك إلى الكشف عن مدينة أثرية ضخمة ظلت مدفونة تحت الأرض لأكثر من ألفي عام، حاملةً بين طبقاتها الذهب والفضة والعنبر وآلاف القطع النادرة التي تعيد رسم ملامح حضارة أوروبية غامضة.

 

فبينما كان العمال يستعدون لشق طريق سريع جديد، فوجئ علماء الآثار بواحد من أكبر الاكتشافات الأثرية في أوروبا الوسطى خلال العقود الأخيرة، وهو موقع ضخم يعود إلى العصر الحديدي ويُعتقد أنه كان مركزاً تجارياً وصناعياً مزدهراً قبل نحو 2200 عام.

 

بقايا تاريخية

بدأت القصة خلال أعمال المسح الميداني الخاصة بمشروع الطريق السريع الجديد في شمال شرق التشيك، حيث رصد علماء الآثار مؤشرات أولية لوجود بقايا تاريخية غير عادية.

 

ومع انطلاق الحفريات، اتضح أن الأمر لا يتعلق بموقع صغير أو مستوطنة محدودة، بل بمدينة أثرية مترامية الأطراف تمتد على مساحة تقارب 25 هكتاراً، أي ما يعادل نحو 62 فداناً، وهو حجم يفوق بكثير معظم المواقع المعروفة من الفترة نفسها في المنطقة.

 

ويصف خبراء الآثار الموقع بأنه أحد أكبر وأهم المراكز السلتية المكتشفة في أوروبا الوسطى، نظراً إلى مساحته الهائلة وكثافة اللقى الأثرية التي عُثر عليها داخله.

 

ثروة أثرية

كشف الموقع عن ثروة أثرية هائلة شملت عملات ذهبية وفضية نادرة، وقوالب لصك العملات، ومجوهرات، وأواني معدنية، وخرزاً زجاجياً، وقطعاً من الكهرمان، إضافة إلى كميات ضخمة من الفخار والأدوات المستخدمة في الحياة اليومية.

 

كما عثر الباحثون على بقايا مساكن وورش إنتاج ومناطق صناعية، ما يشير إلى أن الموقع لم يكن مجرد تجمع سكاني، بل مركزاً اقتصادياً نشطاً لعب دوراً مهماً في التجارة الإقليمية والدولية خلال تلك الحقبة.

 

وتشير التقديرات إلى أن فرق التنقيب جمعت عشرات الآلاف من القطع الأثرية، وملأت آلاف الأكياس بالمكتشفات التي ما تزال تخضع للدراسة والتصنيف.

 

شبكة واسعة

ومن أبرز الأدلة التي أثارت اهتمام الباحثين العثور على كميات من الكهرمان القادم من منطقة بحر البلطيق، وهو ما يؤكد أن المدينة كانت جزءاً من شبكة تجارية واسعة ربطت شمال أوروبا بالعالم المتوسطي.

 

ويرى الخبراء أن وجود هذا النوع من المواد الثمينة، إلى جانب العملات والمعادن النفيسة، يكشف عن ازدهار اقتصادي كبير ومكانة استراتيجية للموقع على طرق التجارة القديمة.

 

لغز بلا أسوار

ورغم ضخامة الموقع وأهميته، فإن إحدى أكثر المفاجآت إثارة تمثلت في غياب أي تحصينات دفاعية أو أسوار تحيط بالمدينة.

 

فعلى عكس كثير من المراكز السكانية الكبرى في تلك الفترة، لم يعثر علماء الآثار على أدلة تشير إلى وجود دفاعات عسكرية أو منشآت حصينة، ما يوحي بأن السكان اعتمدوا على التجارة والحرف والصناعات أكثر من اعتمادهم على القوة العسكرية.

 

كما تشير المكتشفات إلى احتمال وجود أماكن ذات طابع ديني أو طقوسي داخل الموقع، ما يعكس تنوع الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المدينة.

 

أعمال نهب

ويؤكد الباحثون أن من أبرز أسباب أهمية هذا الاكتشاف الحالة الاستثنائية التي حُفظت بها الآثار، إذ بقيت أجزاء كبيرة من الموقع بعيدة عن تأثير الزراعة المكثفة أو أعمال النهب والتنقيب غير المشروع.

 

وساعد ذلك العلماء على دراسة طبقات الحياة القديمة بصورة أكثر دقة، والحصول على صورة متكاملة عن طبيعة المجتمع الذي عاش في المكان قبل أكثر من ألفي عام.

 

من بنى هذه المدينة؟

ويرجح علماء الآثار أن الموقع شُيّد على يد قبائل سلتية عُرفت تاريخياً باسم “البوي”، وهي القبائل التي ارتبط اسمها تاريخياً بإقليم بوهيميا التشيكي.

 

ومع ذلك، لا يزال الباحثون يتعاملون بحذر مع هذا الاستنتاج، مؤكدين أن الدراسات الجارية قد تكشف تفاصيل جديدة حول هوية السكان الذين أسسوا هذا المركز الحضاري الكبير.

 

ومن أكثر الألغاز التي تحير الباحثين أن المدينة اختفت تدريجياً خلال القرن الأول قبل الميلاد دون وجود دلائل على تعرضها لغزو أو دمار عسكري.

 

ويرجح العلماء أن تكون عوامل اقتصادية أو بيئية وراء تراجعها واختفائها، إلا أن السبب الحقيقي لا يزال مجهولاً حتى اليوم.

 

ومع انتهاء أعمال التنقيب الميداني، تتواصل حالياً عمليات تحليل وتصنيف آلاف القطع المكتشفة، في محاولة لفهم قصة مدينة ظلت مختبئة تحت الأرض لأكثر من 22 قرناً قبل أن يكشفها مشروع طريق حديث بالصدفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى