أخبار دولية

بين هرمز وكييف.. كيف استخدم الأوروبيون أوراقهم لاستمالة ترامب؟

سمانيوز /القاهرة الإخبارية – سامح جريس

 

كشفت صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية، تفاصيل اللحظة التي غيرت مسار قمة مجموعة السبع في فرنسا، حين أخرج الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، صورًا لكاتدرائية “الرقاد” التاريخية في كييف وهي تحترق جراء ضربة روسية، وعرضها على نظيره الأمريكي دونالد ترامب في مشهد بدا أنه حرك مشاعره ودفعه للتخلي عن تردده تجاه دعم أوكرانيا.

 

وفي المقابل، رأت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، أن القمة التي استضافتها بلدة إيفيان انتهت دون الصدامات والانسحابات المبكرة التي اعتاد ترامب إثارتها في قمم سابقة، وهو ما اعتبره القادة الأوروبيون إنجازًا بحد ذاته.

 

مشهد يهز ترامب

بحسب ثلاثة مسؤولين من دول المجموعة تحدثوا لـ”بوليتيكو”، فإن تأثر ترامب بحجم الدمار الذي ألحقته الضربة الروسية بهذا الصرح الأثري العائد للقرن الحادي عشر كان “الدفعة الأخيرة” التي حملته على التوقيع على بيان مشترك أكثر صرامة تجاه موسكو أمس الأربعاء.

 

وقال أحد المسؤولين، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه لحساسية المحادثات الخاصة، إنه يعتقد أن ترامب “تأثر بصدق” بما رآه، غير أن الصحيفة شددت على أن من أخرج هذه الورقة في اللحظة المناسبة لم يكن زيلينسكي وحده، بل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي بصفته مستضيف القمة كان قد رسم مسبقًا سيناريو الأمسية وحدد بدقة كيفية مخاطبة الزعيم الأمريكي المعروف بتقلب مواقفه.

 

مأدبة بحيرة جنيف

ورغم أن التوقعات الأولية للقمة، بحسب “بوليتيكو”، كانت تشير إلى احتمال فشلها الدبلوماسي بحيث يُعد مجرد بقاء ترامب حتى نهايتها نجاحًا، فإن ماكرون تمكن من قلب هذا السيناريو، ودفع الرئيس الأمريكي للتعهد بمزيد من الدعم العسكري لكييف.

 

ولم يأت هذا التحول من فراغ، إذ قاد ماكرون مساء الاثنين الماضي عشاءً جمع قادة المجموعة على ضفاف بحيرة جنيف، اتفقوا خلاله على تصوير الحرب وفق منطق ترامب البسيط القائم على رابح وخاسر، وهو أن أوكرانيا في موقع المنتصر، وروسيا في موقع الخاسر.

 

وأوضح دبلوماسي أوروبي للصحيفة أن القادة “شرحوا لترامب جميعًا أن زيلينسكي يحقق تقدمًا لأن روسيا عاجزة عن اختراق خط الجبهة وتفقد أراضي”، مضيفًا أن موسكو “تستمر في استهداف المدنيين والمواقع المقدسة”، في إشارة إلى أن قوة جريحة هي من تتصرف بعصبية متزايدة.

 

والتُقطَت كاميرا في اليوم التالي وهي ترصد ماكرون يصف المحادثة لزيلينسكي بأنها كانت “صعبة”، قبل أن يبحثا معًا أفضل طريقة للتعامل مع ترامب، في إشارة إلى أن شيئًا لم يُترك للصدفة.

 

وحتى رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي تربطها علاقة متوترة بماكرون، أقرت بأنه أدى “عملًا ممتازًا في لحظة معقدة على المسرح الدولي”.

 

 

سياسة الإطراء

في السياق ذاته، أشارت “بوليتيكو” إلى أن ماكرون عمل لأشهر طويلة على إقناع ترامب بالحضور إلى فرنسا، فأجل تاريخ القمة لإتاحة حضوره مباراة مصارعة في حديقة البيت الأبيض بمناسبة عيد ميلاده، وعدل قائمة الضيوف، ثم استضافه في عشاء فاخر بقصر فرساي.

 

كما تجاوز المنظمون تأخر ترامب المتكرر وتصريحاته الجانبية، ومنها قوله في جلسة اقتصادية إنه “الزعيم”، بينما تضمن البيان الختامي تهنئته بصفقته مع إيران ثلاث مرات.

 

ومع ذلك، حين سُئل ماكرون إن كان هذا الجهد كله يستحق العناء، رد بحدة أنه لم يحقق تقدمًا إلا بفضل تمسكه بمواقف مبدئية واضحة، مستشهدًا بثباته في قضية جرينلاند وسلامة أراضي أوكرانيا سواء في واشنطن أو دافوس، معتبرًا أن خلافاته العلنية مع ترامب تتحدث عن نفسها.

 

ثمار القمة

وبحسب الصحيفتين، أثمر هذا الجهد عن تعهد دول المجموعة، بما فيها واشنطن، بـ”دعم ثابت” لأوكرانيا وعقوبات إضافية على روسيا، فيما وصف رئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا الأمر عبر تغريدة بأن “المد يتغير” لصالح كييف.

 

وأكد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني حدوث “تغير في موقف الولايات المتحدة” تجاه أوكرانيا، معتبرًا أنه أصبح أكثر واقعية بشأن الميدان.

 

كما سجل ماكرون نجاحًا إضافيًا تمثل في توقيع القادة على بيان بشأن المعادن الحرجة يتضمن تعهدًا قابلًا للقياس بخفض الاعتماد على المعادن النادرة الصينية بحلول 2030، ما دفعه للقول إن القمة كانت “بموضوعية، نجاحًا”.

 

مع ذلك، حذر دبلوماسي أوروبي من أن “تغير ترامب رأيه باستمرار هو واقع نعيشه جميعًا”، في إشارة إلى أن هذه المكاسب قد تكون عابرة.

 

حبل مشدود

ولم تخلُ القمة من توترات، إذ كانت “واشنطن بوست” أشارت إلى أن نجاحها الحقيقي، من منظور القادة الآخرين، تمثل أساسًا في تجنب صدام علني مع ترامب الذي اعتاد الانسحاب من قمم سابقة، كما حدث في كندا عام 2018 وفي قمة العام الماضي، فقبل وصوله إلى إيفيان، هدد ترامب مجددًا بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على النبيذ الفرنسي احتجاجًا على الضريبة الرقمية، فرد ماكرون بأنه سيخوض “نقاشًا محترمًا لكنه حازم”، بل إنه تغيب عن حفل استقبال رسمي مقرر لترامب ولم يُظهر حماسًا كبيرًا في لقائهما الثنائي.

 

ووصف ماكرون نفسه في مقابلة مع قناة “تي إف 1” بأنه “عملي”، موضحًا أن ترامب يحتاج للبقاء حتى النهاية للتوصل لاتفاقات.

 

وفي المقابل، رأى ماكرون وحلفاؤه أنهم يملكون أوراقًا فعلية هذه المرة، إذ تحتاج واشنطن لقدرات أوروبية في إزالة الألغام لإعادة فتح مضيق هرمز واستقرار تجارة النفط العالمية بعد الحرب مع إيران، وهو مطلب كرره ترامب مرارًا خلال القمة، علمًا أن المرحلة الثانية من المحادثات الأمريكية الإيرانية، إذا وُقعت الصفقة الأولى الجمعة، ستشمل فرنسا وألمانيا وبريطانيا بصفتها الدول الراعية الأصلية لعقوبات الأمم المتحدة لعام 2015.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى