“أذرع إيران”… عندما تتحول المليشيات إلى حلفاء
بقلم/ صالح علي محمد الدويل
أمريكا لم تعطِ إيران النووي فقط، بل شرعنت لها تصدير الثورة؛ فالنووي يردع، أما “الحلفاء” فهم سلاح يهاجم ويقسم المجتمعات ويحكم الدولة، وهذا هو الأخطر. فالحوثي والحشد و”حزب الله” لا سيادة لهم، ولا معاهدات، ولا قانون حرب يلزمهم. هم أذرع غير نظامية، لكن الاتفاق الأمريكي الإيراني حوّلهم إلى “حلفاء”، ومنح طهران اعترافاً ضمنياً بشرعية هذه الأذرع كأطراف إقليمية. وأي حديث عن تفكيك المليشيات سيُقابل برد جاهز: “هؤلاء حلفاء دولة ذات سيادة، والمساس بهم اعتداء على إيران نفسها”.
هنا تظهر العلاقة الجوهرية مع تراكمات سابقة؛ فالاتفاق لا يطبق “مخطط ينون 1982” حرفياً، ولا هو نسخة من مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي طرحته رايس عام 2007، لكن الثلاثة التقوا عند المخرج نفسه، وهو إضعاف الدولة المركزية وتثبيت لاعبين غيرها. فـ”ينون” حلم بتقسيم جغرافي للعراق وسوريا ولبنان إلى دويلات طائفية، و”رايس” طبّقت تقسيماً سياسياً، أما الاتفاق الأخير فقد دعم الأذرع وثبّت تقسيماً قانونياً حين وصف المليشيا بأنها “حليف”. فإذا كان “ينون” قد كتبها حبراً، و”رايس” نفذتها سياسة، فإن الاتفاق ختمها بتوقيع يمنح النفوذ داخل الدولة حصانة تفاوضية، ويجعل أي مشروع لجيش وطني موحد “اعتداءً على حليف”.
لماذا وافقت واشنطن على هذا التنازل؟ لأن الأمريكي لا يهمه إلا الملف النووي، وما دونه شأن عربي بامتياز. والحقيقة الأقسى أن أمريكا مستفيدة من بقاء الأذرع كأدوات تهديد؛ إذ يمنحها ذلك مبرراً دائماً لبقاء القواعد الأمريكية وعقد صفقات السلاح تحت شعار “الحماية”. والأذرع أيضاً كرة لهب محكومة، تشغل إيران وتشغل العرب معاً؛ فطالما أن الجميع غارق في الصراع الداخلي، فلن يفكر أحد في تحدي الهيمنة الأمريكية على المنطقة. وهي كذلك ورقة ضغط بيد واشنطن، لا تريد حلها، بل احتواءها بالقدر الكافي لاستمرار الابتزاز.
الدولة العربية فُرِّغت قبل أن تُفرغها أمريكا؛ لأنها تحولت إلى سلطات تفتقر إلى توازن الدولة، فصارت المليشيا فيها “حامية الطائفة”. ولأن تلك السلطات قبلت بهذا المنطق، فإن لسان حال واشنطن يقول: ما دمتم قد قبلتم منطق المليشيا، فلماذا نطلب من إيران تفكيك أذرعها؟
أمريكا لم تُفرغ الدولة الوطنية وحدها، بل إنكم أنتم أيضاً أسهمتم في ذلك، وهي اليوم وقّعت شهادة الوفاة بكلمة “حلفاء”. والتنازل الذي حصلت عليه إيران أغلى من اليورانيوم؛ فالقنبلة تردع، لكن الاعتراف بـ”الحلفاء” يحكم. الأمريكي ربح اتفاقاً بلا حرب تستنزفه، والإيراني ربح إمبراطورية بلا حدود، أما العربي فدفع الثمن مرتين: دمَ التقسيم، ثم توقيعاً يشرعنه.
