حين ينتصر القانون.. ينتصر الوطن

كتب: المستشار م. عبدالقادر السميطي
هناك حقيقة لا يختلف عليها اثنان، وهي أن الدول لا تُدار بالمزاج، ولا تستقر بالأهواء، ولا تُبنى على الأشخاص مهما بلغت مكانتهم، وإنما تنهض بالدساتير والقوانين والأنظمة التي تحدد الحقوق والواجبات، وترسم لكل إنسان حدوده ومسؤولياته. فحين يعرف الجميع أن هذا حقك، وهذا حق أخيك، وهذا حقنا جميعا تصبح الحياة أكثر هدوء، والعمل أكثر إنتاجا، والخلافات أقل حضورا.
القانون ليس خصما لأحد، بل هو صديق الجميع. وهو السياج المنيع والحصن الحصين الذي يحمي المؤسسات من الفوضى، ويحفظ كرامة المسؤول قبل الموظف، ويصون مصالح الناس قبل مصالح الأفراد. وكلما احترمت المجتمعات أنظمتها، ازدادت قوة واستقرارا، وكلما غاب احترام القانون، حضرت الفوضى، وضاعت الحقوق، ودفعت الأوطان الثمن.
ومن أهم القضايا التي تحتاج إلى تنظيم واضح وحازم قضية التدوير الوظيفي. فالمناصب ليست ملكا لأحد، والكراسي ليست إرثا يُورث، وإنما هي أمانة ومسؤولية وتكليف مؤقت، يأتي يوم يسلمها صاحبها لمن بعده كما استلمها ممن قبله.
في الزمن الجميل، كان صدور قرار نقل أو تكليف مسؤول جديد أمرا طبيعيا لا يثير الضجيج. تتم إجراءات التسليم والاستلام بكل احترام ومحبة، يجلس السلف مع الخلف، يتبادلان الخبرات والمعلومات، ويتصافحان، ويشكر أحدهما الآخر، ثم يمضي كل منهما في طريقه وهو يحمل التقدير والاحترام. لم تكن الكراسي سببا للخصومات، بل كانت وسيلة لخدمة الناس، فإذا انتهت المهمة، بقيت الأخلاق والعلاقات.
أما اليوم، ففي بعض الحالات المؤسفة، أصبح بعض المسؤولين يتشبثون بالمناصب تشبثا لا يليق برسالة المسؤولية. وكأن الكرسي أصبح غاية لا وسيلة، مع أن معيار البقاء يجب أن يكون الإنجاز لا الجلوس، والعطاء لا البقاء، والعمل لا الشعارات. وقد نرى أحيانا أداء متواضعا، ومع ذلك تُرفض قرارات النقل أو التسليم، فتبدأ الخلافات، وتتعطل المصالح، وتتسع دائرة النزاع حتى تتدخل العصبيات والولاءات الضيقة، فتتحول قضية إدارية بسيطة إلى أزمة اجتماعية وسياسية لا رابح فيها.
إن أخطر ما يصيب المؤسسات ليس تغيير القيادات، بل تعطيل القوانين. فحين تتوقف الأنظمة أمام رغبة شخص، يفقد الناس ثقتهم بالعدالة، وتضعف هيبة الدولة، وتتراجع المؤسسات، ويضيع جهد سنوات طويلة من البناء والعمل.
ولهذا فإن الحاجة أصبحت ملحة لإخراج اللوائح والقوانين من أدراج المكاتب، وتحويلها إلى واقع عملي يطبَّق على الجميع دون استثناء. فلا كبير فوق النظام، ولا صغير يُظلم تحت مظلته. فسيادة القانون هي الضمان الحقيقي للاستقرار، وهي الطريق الأقصر نحو بناء مؤسسات قوية تحترم الإنسان وتحفظ حقوق الجميع.
ومن مقترحاتي المتواضعة التي تستحق الدراسة، أن تُحدد لكل مسؤول فترة زمنية واضحة لتحقيق أهدافه، ولتكن سنة أولى تُقيَّم فيها الإنجازات وفق مؤشرات أداء معلنة وشفافة. فإذا أثبت نجاحه واستحق الاستمرار، يُمنح بقية مدته المحددة، والتي قد تكون سنتين أو ثلاث أو أربع بحسب طبيعة المنصب. وعند انتهاء المدة، يُسلِّم المسؤول مهامه بكل احترام وهدوء لمن يخلفه، لتستمر عجلة العمل دون انقطاع، وتُفتح أبواب الفرص أمام الكفاءات الجديدة.
إن تداول المسؤولية لا يُنقص من قدر أحد، بل يرفع قيمة المؤسسة. والمسؤول الحقيقي هو من يترك وراءه إنجازا يُذكر، لا كرسيا يُقاتل من أجله. فالمناصب تزول، والأسماء تُنسى، أما الأثر الطيب والعدل وحسن الإدارة فهي التي تبقى في ذاكرة الناس.
ولعل أجمل قاعدة يمكن أن نبني عليها مستقبل مؤسساتنا هي: احترام القانون قبل احترام الأشخاص، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة، والإيمان بأن الوطن أكبر من أي منصب، وأبقى من أي مسؤول.
فلنفتح صفحة جديدة عنوانها..
الالتزام بالقانون، واحترام قرارات الدولة، والتداول السلمي للمسؤوليات، ولنجعل شعارنا الدائم …
هذا حقك، وهذا حق أخيك، وهذا حقنا جميعًا. فإذا نجحنا في ترسيخ هذه الثقافة، فلن نحل خلافا واحدا فحسب، بل سنضع أساسا متينا لوطن تسوده العدالة، وتحكمه المؤسسات، وتزدهر فيه الثقة بين الدولة والمجتمع.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل واحد منا على نفسه قبل أن يطرحه على الآخرين: هل نستطيع أن نُربي أنفسنا على حب خدمة الوطن أكثر من حب الكرسي؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فقد بدأ طريق الإصلاح الحقيقي.
دمتم بألف خير
_المستشار م.عبدالقادر السميطي
ممثل الجمعية الوطنية للبحث العلمي والتنمية المستدامة محافظة_ _أبين_
_دلتا أبين 1يوليو 26م_
