اكتشاف مذهل.. بكتيريا تحول اليورانيوم السام إلى منظف للبيئة

سمانيوز /متابعات /مرفت عبدالحميد
في اكتشاف علمي قد يفتح آفاقًا جديدة لمعالجة التلوث الإشعاعي، نجح فريق دولي من الباحثين في إثبات قدرة نوع من البكتيريا الطبيعية على تحويل اليورانيوم السام الذائب في المياه إلى مركب كيميائي صلب ومستقر، ما يحد من انتشاره في المياه الجوفية ويمنع انتقاله إلى البيئة المحيطة.
ورأى الباحثون أن هذه النتائج تمثل خطوة واعدة نحو تطوير تقنيات المعالجة الحيوية للتلوث الإشعاعي، بالاعتماد على الكائنات الحية الدقيقة بدلًا من الحلول الكيميائية والهندسية المكلفة، خاصة في المناطق المتضررة من التعدين أو النفايات النووية.
ونشرت الدراسة في مجلة Nature Communications، ونفذها باحثون من مركز هيلمهولتز دريسدن-روسندورف الألماني، بالتعاون مع شركة Wismut GmbH وجامعة غرناطة الإسبانية.
ويعد اليورانيوم من العناصر التي يصعب احتواء آثارها البيئية، إذ يعتمد خطره على حالته الكيميائية. فعندما يكون محصورًا داخل الصخور والمعادن يبقى ثابتًا نسبيًا، لكن تحوله إلى صورة قابلة للذوبان يسمح له بالانتقال عبر المياه الجوفية لمسافات طويلة، ما يزيد احتمالات تلوث مصادر المياه والتربة.
ويمثل هذا التحدي أحد أكبر العقبات أمام معالجة المواقع الملوثة بالإشعاع، خصوصًا في المناجم القديمة ومناطق استخراج اليورانيوم.
بكتيريا تقوم بالمهمة
وخلال الدراسة، استخدم الباحثون عينات مياه مأخوذة من منجم يورانيوم غمرته المياه في ألمانيا، حيث توجد مستعمرات بكتيرية تكيفت طبيعيًا مع هذه البيئة القاسية.
وأضاف العلماء مادة الجلسرين (Glycerol)، وهي مركب طبيعي يوجد في الدهون النباتية والحيوانية ويمكن أن يتكون أيضًا أثناء تحلل الأخشاب، لتكون مصدرًا للطاقة والغذاء للبكتيريا.
كما حافظ الفريق على ظروف خالية من الأكسجين لمحاكاة البيئة الطبيعية الموجودة على عمق يقارب ألفي متر داخل المنجم، حيث تنخفض مستويات الأكسجين بشكل كبير.
اختفاء 95% من اليورانيوم
وبعد 130 يومًا فقط، كانت النتائج لافتة؛ إذ اختفى نحو 95% من اليورانيوم الذائب من المياه.
وأظهرت التحاليل أن البكتيريا امتصت العنصر المشع داخل جدرانها الخلوية، قبل أن تحوله إلى مركب معدني جديد أكثر استقرارًا، ما يقلل بشكل كبير من قابليته للانتشار في البيئة.
وأكد الباحثون أن هذه العملية تمثل آلية طبيعية يمكن الاستفادة منها مستقبلًا في تثبيت اليورانيوم داخل المواقع الملوثة بدلًا من بقائه ذائبًا في المياه.
مركب نادر حيّر العلماء
وباستخدام تقنيات متطورة في المجهر والتحليل الطيفي داخل منشآت الإشعاع السنكروتروني الأوروبية في فرنسا، اكتشف الباحثون أن البكتيريا أنتجت مركبًا غير مألوف يحتوي على اليورانيوم في الحالة الكيميائية الخامسة (Uranium V)، وهي حالة نادرة للغاية كان يُعتقد أنها غير مستقرة ولا تستمر طويلًا في الطبيعة.
والمفاجأة أن اليورانيوم اتحد مع الحديد والأكسجين ليشكل مركبًا جديدًا يعرف بصيغته الكيميائية FeU(V)O₄، وهو مركب لم يحصل حتى الآن على اسم علمي رسمي.
يبقى ثابتًا لعقود
وأشار الباحثون إلى أن هذا المركب رُصد لأول مرة عام 2020 في عينات تربة ملوثة بذخائر اليورانيوم في كرواتيا، حيث ظل مستقرًا لأكثر من 25 عامًا رغم تعرضه للأكسجين.
إلا أن الدراسة الحالية كشفت للمرة الأولى كيف يتكون هذا المركب في الطبيعة، مؤكدة أن البكتيريا تلعب الدور الأساسي في إنتاجه.
كما أظهرت النتائج أن تعرض الكتلة البكتيرية للجفاف ثم للأكسجين لم يؤدِ إلى تدمير المركب، بل ساهم في زيادة تكوّنه، وهو ما يعزز الاعتقاد بأنه يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار الكيميائي.
حل بيولوجي للتلوث النووي
ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف قد يساعد في فهم سلوك اليورانيوم داخل المياه الجوفية والمناجم ومواقع النفايات النووية، كما قد يمهد الطريق لتطوير تقنيات تعتمد على الكائنات الدقيقة لتثبيت العناصر المشعة ومنع انتقالها إلى البيئة.
وأكدت الباحثة إيفلين كرافتشيك-بيرش أن الدراسة أثبتت لأول مرة أن البكتيريا، عند تزويدها بالجلسرين كمصدر للطاقة، تستطيع تحويل اليورانيوم السام الذائب إلى مركب كيميائي مستقر، مشيرة إلى أن الفريق سيواصل أبحاثه لمعرفة مدى إمكانية توظيف هذه الآلية في مشاريع تنظيف المواقع الملوثة.
الطريق ما زال طويلًا
ورغم النتائج الواعدة، شدد الباحثون على أن التقنية لا تزال في مراحلها التجريبية، إذ يتعين إجراء مزيد من الدراسات للتأكد من فعاليتها خارج المختبر، ومعرفة مدى ثبات المركب الجديد في البيئات الطبيعية المختلفة، وكيفية تأثره بالعوامل البيئية مع مرور الزمن.
ويأمل العلماء أن يسهم هذا الاكتشاف في تطوير حلول حيوية منخفضة التكلفة وأكثر استدامة لمعالجة التلوث الإشعاعي، بما يعزز حماية الموارد المائية والبيئة من أخطار العناصر المشعة على المدى الطويل.
