الشرق الأوسط بين حرب الممرات البحرية وإعادة تشكيل موازين القوة

بقلم: د. فؤاد علي ناصر الحاج
الشرق الأوسط بين حرب الممرات البحرية وإعادة تشكيل موازين القوة
السعودية والحوثيون في قلب صراع إقليمي يتجاوز حدود اليمن
الحاضر في قلب الصراع… والغائب عن الطاولة
وأنا أحدق في الأزمات المتلاحقة في عالمنا المعاصر، وفي القلب منها منطقة الشرق الأوسط، أجد أن المنطقة لم تعد مجرد مسرح لأزمات سياسية متفرقة، بل تحولت إلى مساحة جيوسياسية مفتوحة تتقاطع فيها صراعات النفوذ والطاقة والأمن البحري، حيث أصبحت الممرات البحرية الاستراتيجية أدوات ضغط ومفاتيح قوة في صراع يتجاوز الحدود الوطنية إلى حسابات القوى الإقليمية والدولية.
فمن مضيق هرمز، شريان الطاقة العالمي، إلى باب المندب والبحر الأحمر، بوابة التجارة الدولية، مروراً بخليج عدن والمحيط الهندي، تشكلت خريطة أمنية جديدة جعلت من السيطرة على خطوط الملاحة والتجارة العالمية جزءًا أساسياً من معادلة القوة في الشرق الأوسط.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: أن اليمن والجنوب العربي يقفان في قلب هذه الجغرافيا الاستراتيجية، لكنهما في كثير من الأحيان يبدوان غائبين عن طاولات صناعة القرار التي ترسم مستقبل هذه الممرات الحيوية.
اليمن… من صراع داخلي إلى عقدة إقليمية
بدأ الصراع السعودي–الحوثي كأزمة يمنية داخلية منذ عام 2004، لكنه تحول بعد عامي 2014 و2015 إلى ملف إقليمي ودولي، حين أصبح موقع اليمن الجغرافي جزءًا من معادلة الأمن الخليجي، خصوصاً مع تصاعد المخاوف السعودية من تمدد النفوذ الإيراني قرب حدودها الجنوبية، وأهمية اليمن باعتباره مشرفاً على أحد أهم الممرات البحرية العالمية: مضيق باب المندب.
ومع مرور السنوات، أثبتت التطورات أن الحسم العسكري الكامل لم يكن خياراً واقعياً لأي طرف، الأمر الذي دفع نحو مسارات تفاوضية انتهت إلى هدنة عام 2022، ثم مباحثات مباشرة في صنعاء خلال سبتمبر 2023 برعاية عُمانية، بالتزامن مع التحول الإقليمي الذي مثله التقارب السعودي–الإيراني في بكين.
لكن تلك التهدئة طرحت تساؤلات استراتيجية عميقة: هل كانت مجرد خطوة براغماتية لتأمين بيئة إقليمية مستقرة تخدم التحولات الاقتصادية السعودية، وفي مقدمتها رؤية 2030؟ أم أنها منحت الحوثيين فرصة لإعادة ترتيب أوراقهم السياسية والعسكرية وتعزيز موقعهم الإقليمي؟
حرب الممرات البحرية… حين يصبح البحر ساحة للصراع..
مع تصاعد الأزمات الإقليمية، برز البحر الأحمر وخليج عدن كامتداد مباشر للصراع الأمريكي–الإيراني، حيث تحولت استراتيجية الضغط غير المباشر ورفع كلفة الخصوم إلى إحدى أهم أدوات المواجهة.
وقد أدرك الحوثيون أهمية الموقع الجغرافي لليمن، وتمكنوا من ربط الملف اليمني بصراعات إقليمية أوسع، خصوصاً مع تطورات أزمة غزة، الأمر الذي جعل أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر جزءًا من معادلة الصراع.
وأدت التهديدات والهجمات البحرية إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، واضطراب بعض مسارات التجارة العالمية، وعودة الحضور العسكري الدولي إلى المنطقة، بما يؤكد أن الممرات البحرية لم تعد مجرد طرق عبور تجارية، بل أصبحت أوراقاً استراتيجية تستخدمها القوى المختلفة لإعادة صياغة النفوذ.
وتكمن خطورة هذه المعادلة في أن أي تصعيد غير محسوب قد يحول البحر الأحمر من منطقة عبور دولي إلى ساحة مواجهة مفتوحة، بما يهدد الاقتصاد العالمي ويعيد إنتاج أزمات الشرق الأوسط بصورة أكثر تعقيداً.
السعودية_والإمارات… اختلاف الرؤى داخل مساحة واحدة..
تمثل العلاقة السعودية–الإماراتية أحد المحددات الرئيسية في المشهد اليمني، فرغم الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ظهرت تباينات في مقاربات إدارة الملف اليمني.
فقد ركزت الرياض بصورة أكبر على الحفاظ على إطار الدولة اليمنية والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تضمن أمنها القومي، بينما تبنت أبوظبي مقاربة تقوم على بناء شراكات محلية ومواجهة التهديدات المرتبطة بالسواحل والممرات البحرية، مع اهتمام خاص بالقوى الجنوبية والمناطق الساحلية.
وفي قلب هذه المعادلة يبرز الجنوب العربي ليس باعتباره مجرد طرف في الأزمة اليمنية، بل باعتباره مساحة جيوسياسية تتقاطع فيها اعتبارات الأمن البحري والطاقة والتجارة الدولية، فهو يطل على خليج عدن وبحر العرب، ويتمتع بموقع قريب من باب المندب، ما يجعله نقطة ارتكاز في منظومة الأمن البحري العالمي.
لكن الموقع الاستراتيجي وحده لا يصنع النفوذ؛ فالقوة الحقيقية تحتاج إلى مؤسسات قادرة، ورؤية سياسية واضحة، وإدارة اقتصادية فاعلة للموانئ والمناطق الساحلية، بحيث تتحول الجغرافيا من مصدر صراع إلى عنصر تنمية واستقرار.
المفارقة اليمنية: أهمية الموقع وغياب المشروع..
تكمن الإشكالية الكبرى في أن اليمن والجنوب العربي يمتلكان أهمية جغرافية تفوق حجمهما السياسي، لكن هذه الأهمية لم تتحول بعد إلى مشروع قادر على إدارة هذه المكانة الاستراتيجية.
فالجغرافيا تمنح الفرص، لكنها لا تصنع وحدها القرار؛ فالقرار يحتاج إلى مؤسسات قوية، ورؤية استراتيجية، وقدرة على التعاطي مع التحولات الإقليمية والدولية بمنطق المصالح لا بمنطق ردود الأفعال.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المنطقة:
أولاً: سيناريو الاحتواء والتهدئة..
وهو السيناريو المرتبط باستمرار الوساطات الإقليمية والدولية، والوصول إلى تفاهمات أمنية وسياسية مرحلية تخفف من حدة الصراع.
ثانياً: سيناريو حرب الاستنزاف البحرية..
حيث تستمر الهجمات المحدودة والردود المحسوبة ضمن استراتيجية إدارة الضغط دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وهو ما قد يطيل حالة عدم الاستقرار.
ثالثاً: سيناريو توسع المواجهة الإقليمية..
وهو السيناريو الأكثر خطورة، إذ قد تتحول الممرات البحرية إلى مسرح مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى، خصوصاً مع تصاعد التنافس الأمريكي–الإيراني، بما يؤدي إلى تدخلات دولية أوسع.
الخلاصة:
من صراع النفوذ إلى بناء منظومة استقرار
تكشف التحولات الراهنة أن مستقبل الشرق الأوسط لن يُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل بقدرة الأطراف على إنتاج ترتيبات سياسية وأمنية جديدة تستوعب المتغيرات الجيوسياسية.
فأمن الممرات البحرية يحتاج إلى منظومة تعاون إقليمية ودولية تضمن حرية الملاحة وتحمي الاقتصاد العالمي، بينما يحتاج اليمن والجنوب العربي إلى الانتقال من منطق الصراع المفتوح إلى وضع رؤى استراتيجية تتعامل مع حقيقة أن موقعهما الجغرافي أصبح جزءاً من صراع عالمي على الممرات والنفوذ، وهذا الأمر يحتاج إلى حلحلة القضايا التي تحول دون ذلك.
إن المنطقة تقف أمام لحظة تاريخية؛ فإما أن تتحول جغرافيتها الاستراتيجية إلى وقود لصراعات جديدة، أو تصبح جسراً للتجارة والاستقرار وإعادة تشكيل دورها في النظام الدولي القادم.
