حرب ترامب التجارية تتحول إلى الإغلاق والاحتكار

سمانيوز /فايننشال تايمز/باتريك فوليس
إذا حكمنا على المشهد من زاوية الصدمة واستعراض القوة، فإن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والعالم لا تزال تبدو، ظاهرياً، حرباً تدور حول الرسوم الجمركية.
ومع مواصلة واشنطن تشييد جدارها الجمركي، واجهت كندا هذا الأسبوع تهديداً بفرض رسوم تبلغ 50 %. لكن التحول الأعمق يحدث في مكان آخر، وتحديداً في الصراع على البنية التحتية للعولمة.
فعلى مدار الأشهر الثمانية عشر الماضية، سعت الولايات المتحدة إلى زيادة ما تتقاضاه الدول مقابل الوصول إلى خدماتها وسوقها، لكنها انتقلت الآن إلى مرحلة جديدة تقوم على ردع ومعاقبة كل من يحاول البحث عن بدائل.
وبلغة سيليكون فالي، تحولت الولايات المتحدة من مرحلة تحقيق الأرباح من المستخدمين إلى مرحلة إغلاق المنافذ عليهم واحتكارهم. وبمصطلحات قانون منع الاحتكار، فإنها انتقلت من رفع الأسعار إلى حظر المنافسة.
أما بأسلوب العصابات، فقد حولت تكتيكها من الابتزاز المالي إلى التهديد بتصفية من يحاول الفكاك من مظلة حمايتها.
من الخطأ أن ننظر إلى إدارة ترامب الثانية على أنها مجرد عودة إلى حمائية الثلاثينيات أو مدرسة التجارية «الميركانتيلية» على الطراز الصيني. بل من الأصح وصفها بأنها مشروع يضمن عدم خضوع الولايات المتحدة لأي إكراه اقتصادي. وحصولها على مقابل مادي للخدمات التي تقدمها للعالم بصفتها القوة العظمى. وتشمل هذه الخدمات أسواقها المالية وعملتها، وشبكاتها التقنية، وسوقها الاستهلاكي الضخم، إضافة إلى سلاحها وضماناتها الدفاعية.
إنها قومية مستقبلية تقر بأنه في عصر الرأسمالية غير الملموسة، لا يمثل الدخل ورأس المال الذي تولده أمريكا من تجارة السلع سوى نسبة ضئيلة.
ولهذا سعت الإدارة إلى زيادة الإيرادات ورؤوس الأموال المتدفقة إلى الولايات المتحدة، فرفعت الرسوم الجمركية وطالبت الدول بالالتزام بحصص استثمارية، واتفاقيات شراء، وصفقات تسليح، وزيادة مشتريات التكنولوجيا الأمريكية وحقوق الملكية الفكرية، وفي بعض الأحيان بأسعار أعلى.
وخلال هذا الأسبوع، وفي الوقت نفسه، عملت على خفض التكاليف عبر إلزام الحلفاء بزيادة إنفاقهم الدفاعي، وربط التزاماتها الأمنية بشروط جديدة، سواء تجاه أوكرانيا أم حلف شمال الأطلسي أم تايوان.
وإذا رفضت الدول هذه الشروط الجديدة، فقد تحرم من بعض الخدمات الأمريكية.
فالدول التي تعتمد على المظلة الدفاعية الأمريكية من دون أن تتحمل نصيبها من الإنفاق العسكري قد تفقد الضمانات الأمنية الأمريكية. والحكومات التي ترفض الاستثمار في الولايات المتحدة قد تخسر الامتيازات الجمركية التي تتيح لها دخول السوق الأمريكية برسوم منخفضة.
أما الوصول إلى أحدث التقنيات فلم يعد أمراً مضموناً، إذ منع المستخدمون الأجانب مؤقتاً في يونيو من الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لشركة «أنثروبيك».
وقد نجحت بعض جوانب هذه الاستراتيجية بالفعل. ففي العام الماضي، سجلت الولايات المتحدة أعلى مستوى على الإطلاق لتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إليها، بينما ارتفع الدخل اﻵتي من الخارج لصالح قطاعات الخدمات المالية والتكنولوجيا والملكية الفكرية والدفاع إلى ما يعادل 7 % من الناتج المحلي الإجمالي.
لكن الضغط على العملاء بهذه الطريقة يقود حتماً إلى نتيجة متوقعة، وهي إثارة غضبهم ودفعهم إلى البحث عن بدائل.
ويبدو أن البيت الأبيض يدرك ذلك، وهو ما يفسر هوسه بتكريس «التفوق الأمريكي» في قطاع التكنولوجيا. فالتقدير السائد لديه هو أنه إذا بقيت المنتجات الأمريكية متفوقة، فلن يكون أمام الدول الأخرى سوى القبول بالأمر الواقع.
كما أن قانون «جينيوس» الذي وضع إطاراً قانونياً لبعض الأصول المشفرة لم يكن مدفوعاً فقط باعتبارات المحاباة السياسية، بل أيضاً بالرغبة في إخضاع قطاع التمويل الرقمي الخارجي للنفوذ الأمريكي.
إلا أن رد فعل كثير من الدول جاء أكثر حدة مما توقعته واشنطن. فبدلاً من القطيعة، تتجه هذه الدول إلى الجمع بين الحفاظ على الوصول إلى الخدمات الأمريكية والاستثمار في بدائل محلية أو إقليمية.
سواء في أنظمة المدفوعات أم الدفاع الجوي أم غيرها. وهذا يعني أن بعض الشركات الأمريكية ستفقد حصتها السوقية.
وقد بدأت شركة «بالانتير»، الرائدة في تكنولوجيا الدفاع، بالفعل تخسر بعض الأعمال في أوروبا.
وقال جاكوب هيلبرج، وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون الاقتصادية: إن تطوير الدول لقدرات رقمية مستقلة سيكون «خطوة رجعية وغير مجدية».
كما أصدر وزير الخارجية ماركو روبيو تعليمات للدبلوماسيين الأمريكيين بالتصدي للمخاوف المتعلقة بما يعرف بـ«مفاتيح الإيقاف» أو القدرة على تعطيل التكنولوجيا الأمريكية عن بُعد.
لكن الأمر لا يقتصر على محاولة إقناع الدول بعدم الانفصال عن المنظومة الأمريكية، بل يتعداه إلى ممارسة ضغوط مباشرة على البدائل المنافسة.
وليس هذا النهج جديداً في التاريخ. ففي مطلع القرن العشرين، حاولت بريطانيا منع ألمانيا من تطوير شبكة اتصالات لاسلكية منافسة.
وخلال العقد الماضي، مارست الولايات المتحدة ضغوطاً على حلفائها للتخلي عن معدات شركة «هواوي» الصينية. وفي عام 2025، هدد ترامب بفرض رسوم جمركية على الدول التي تستكشف بدائل للدولار.
كما تتضمن معظم الاتفاقيات التجارية المتبادلة التي أبرمتها الإدارة الأمريكية بنوداً تهدف إلى حماية مكانة الشبكات الأمريكية ومنح واشنطن حق الاعتراض على إبرام الدول اتفاقيات تكنولوجية مع الصين.
ومن المرجح أن تتجاوز محاولات إغلاق الباب أمام المنافسة هذه الخطوات بكثير.
ويبرز المثال الأول في الهجوم على منصة «بيكس» البرازيلية الضخمة للمدفوعات الرقمية، التي أسهم نجاحها في دفع واشنطن إلى فرض رسوم جمركية بنسبة 25 % على البرازيل هذا الشهر. ويبدو أن الهدف هو الحد من توسع منافس لأنظمة الدفع الأمريكية.
وهناك اليوم أكثر من 80 منصة مماثلة حول العالم، من بينها النظام الهندي العملاق «يو بي آي»، ما يؤدي إلى نشوء شبكة عالمية مترابطة من شبكات المدفوعات.
أما المثال الثاني فهو الذكاء الاصطناعي، حيث تقترب نماذج شركة «مونشوت» الصينية من منافسة النماذج الأمريكية، مع تقديمها بتكلفة تقل كثيراً عنها. ما أثار مخاوف أمنية واتهامات بسرقة حقوق الملكية الفكرية.
وقد صرح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأن الولايات المتحدة قد تفرض عقوبات على شركات الذكاء الاصطناعي الصينية.
ويتمثل المثال الثالث في وزارة الدفاع الأمريكية، التي أعلنت أخيراً أنها ترحب باستثمارات الحلفاء في التكنولوجيا العسكرية، شريطة أن تكون مكملة للقدرات الأمريكية ومتعاونة معها، لا أن تحاول عبثاً تكرارها أو استبدالها.
وجميع هذه التحركات ليست سوى رسائل تحذير مبكرة. فأوروبا تعمل حالياً على تطوير مشاريعها الخاصة في الفضاء، والعملات الرقمية، والدفاع الجوي، ومن المتوقع أن تدخل الخدمة خلال السنوات الخمس المقبلة، فيما تتواصل جهود مماثلة في آسيا. وإذا نجحت هذه المشاريع، فهل ستسعى الولايات المتحدة إلى منع استخدامها؟
إن الإقدام على مثل هذه الخطوة سيكون أكثر تأثيراً بكثير من فرض الرسوم الجمركية.
فهناك فرق كبير بين مطالبة الحلفاء بدفع المزيد مقابل الخدمات الأمريكية، وبين محاولة منعهم من البحث عن بدائل من الأساس.
