اقتصاد

بـ 7 مليارات دولار.. هل تسبق شيفورفرون عمالقة التكنولوجيا بأضخم صفقة بنية تحتية؟

سمانيوز/متابعات /رشا عبد المنعم

 

تعتزم شركة “شيفورفرون” إحداث تحول طاقوي ضخم؛ إذ ستزود المنطقة المقاطعة بطاقة كهربائية مولدة بالغاز الطبيعي تكفي لتشغيل ما يزيد على مليوني منزل، على أن تُوجه هذه الطاقة الهائلة بالكامل لخدمة مراكز البيانات التابعة لشركة “مايكروسوفت”، في قلب مقاطعة ريفز الريفية الواقعة ضمن أراضي غرب تكساس المقفرة والقاحلة، والتي تضم حوالي 4,000 أسرة متناثرة على مساحة شاسعة تبلغ 2,600 ميل مربع.

 

مشروع كيلبي

 

تأتي هذه الصفقة الضخمة، التي أُطلق عليها اسم “مشروع كيلبي” وبلغت تكلفتها التقديرية نحو 7 مليارات دولار، لتتوج شركة “شيفورفرون” في قمة قطاع الذكاء الاصطناعي بين عمالقة النفط ،المشروع المقرر اتخاذ قرار استثماره النهائي قبل نهاية 2026 ودخول الخدمة في عام 2028 لتصاعد طاقته حتى عام 2031- يمثل البداية لسلسلة محتملة من الصفقات العملاقة مع الشركات المزودة لخدمات الحوسبة السحابية الفائقة للذكاء الاصطناعي؛ وهي صفقات ستغطي غرب تكساس ومناطق أخرى غنية بالغاز مثل جبال روكي والغرب الأوسط.

 

ويحمل اسم المشروع تكريماً رمزياً لـ “جاك كيلبي” المخترع في شركة “تكساس إنسترومنتس” ومبتكر الدائرة المتكاملة والرقيقة الدقيقة والآلة الحاسبة المحمولة، باعتبارها الجذور الأولى التي مهدت الطريق لظهور الذكاء الاصطناعي.

 

وأوضح جيف غوستافسون، رئيس قطاع الطاقات الجديدة في الشركة في تصريحات إعلامية أن الإعلان عن المشروع في شهر يونيو قد أحدث صدى واسعاً جعل الجميع يتسابقون للتواصل مع الشركة، حيث بات السوق ينظر إلى “شيفورفرون” باعتبارها طرفاً فائق المصداقية وقادراً على هندسة وتوفير كافة المتطلبات اللازمة لمثل هذه المشاريع المعقدة، وتأمين العنصر الأهم وهو العميل النهائي.

 

ولا يقتصر هذا الاهتمام على الشركات الكبرى فحسب، بل يمتد ليشمل مصنعي توربينات الغاز -وهو أمر حاسم في ظل طوابير الانتظار الطويلة للحصول على المعدات- إلى جانب شبكة واسعة من المقاولين والموردين الخارجيين، بينما تتولى “شيفورفرون” توفير النطاق الواسع، وإدارة العمليات، والأراضي، وموارد الغاز الطبيعي.

 

370 مليار دولار

 

وتنص الاتفاقية المبرمة مع “مايكروسوفت” لمدة 20 عاماً على توريد طاقة قوامها 2.67 جيجاوات مولدة بالغاز الطبيعي، مع ترك مساحة للتوسع المستقبلي تشمل الطاقة الشمسية وبطاريات التخزين.

 

وتعتمد المنظومة على دمج أراضي وموارد الغاز التابعة لشركة “شيفورفرون” مع أراضي إضافية وخدمات مياه تقدمها شركة “تكساس باسيفيك لاند”، بالإضافة إلى شراكة تجمعها مع شركة “جولنت” الناشئة في مجال الطاقة والمدعومة من صندوق “إنجين رقم 1″، فضلاً عن الاعتماد على توربينات ضخمة لا يقل عددها عن 7 من إنتاج “جي إي فيرنوفا” ومجموعة من التوربينات الأصغر حجماً من طراز “كاتربيلر سولار تايتان 350”.

 

وعلى الصعيد المالي والاقتصادي، يرتكز هذا المشروع على أسس صلبة مدعومة بقيمة سوقية لشركة “شيفورفرون” تقارب 370 مليار دولار. وتستهدف الشركة من وراء هذه الاستراتيجية الطموحة تحقيق عوائد استثمارية قوية تصل إلى منتصف العقدينات، إلى جانب توليد إيرادات ضريبية محلية وفي الولاية تتجاوز 10 مليارات دولار على مدار عمر المشروع، فضلاً عن تحفيز الاقتصاد المحلي عبر خلق نحو 2,000 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة خلال مراحل التشغيل ودعم البنية التحتية.

 

رغم الشراكة القديمة التي جمعت “شيفورفرون” و”مايكروسوفت” في خدمات الحوسبة السحابية على مدار العقد الماضي، إلا أن انطلاقة طفرة الذكاء الاصطناعي شهدت مشاركة الأولى في النقاشات الأولية دون أن تشملها الصفقات الفعلية؛ ويرجع ذلك إلى تركيز مزودي الخدمات السحابية حصراً على مصادر الطاقة المتجددة التي لا تمثل القوة الأساسية لشركة النفط العملاقة.

 

غير أن هذا التوجه بدأ في التغير الجذري قبل عامين مع تزايد الحاجة الملحة للسرعة والموثوقية في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي؛ إذ استمر الطلب على الطاقة في التصاعد وسط إدراك الشركات الكبرى لعجز شبكة الكهرباء الأمريكية عن تحمل الأحمال الهائلة المطلوبة، وما رافق ذلك من مخاوف بشأن أسعار الكهرباء للمستهلكين، مما دفع نقاشات السوق نحو الحاجة الملحة لطاقة موثوقة وبأسعار معقولة واعتماد الغاز الطبيعي.

 

موقع بيرميان

 

وتُعد “شيفورفرون” ثاني أكبر منتج للنفط والغاز في حوض بيرميان بغرب تكساس بعد شركة “إكسون موبيل”، ورغم شح الطلب على الطاقة في تلك المنطقة الريفية، إلا أن تمركز مراكز البيانات بالقرب من مواقع إنتاج الغاز الطبيعي وتوافر الأراضي الواسعة شكلا خياراً استراتيجياً مثالياً.

 

وأوضح غوستافسون أن غرب تكساس كانت الخيار البديهي نظراً لوفرة موارد الغاز الطبيعي، وسهولة ممارسة الأعمال في بيئة تجارية محررة وتنظيمية ميسرة، فضلاً عن معرفة الشركة العميقة بأصحاب المصلحة المحليين؛ وهي عوامل دفعت الشركة لحجز المعدات وتأسيس المشروع مبكراً قبل عام ونصف.

 

من جهتها، وافقت “مايكروسوفت” على هذه الصيغة بعد أن خففت أهدافها المناخية دون التخلي عنها لضمان تلبية متطلبات الذكاء الاصطناعي؛ حيث أوضحت نويل والش، رئيسة مجموعة عمليات الحوسبة والابتكار في مايكروسوفت، في بيان لها أن النمو المتسارع في قطاع الذكاء الاصطناعي والسحابي يتطلب بنية تحتية قادرة على التوسع السريع والموثوق، مؤكدة أن الاتفاقية تضمن توفير طاقة مخصصة واسعة النطاق لضمان استقرار وتطور الحوسبة المتقدمة.

 

وعلى الرغم من إقرار حاكم ولاية تكساس جريج أبوت لتجميد مؤقت على ربط شبكة مراكز البيانات الجديدة بالشبكة العامة، إلا أن المشروعين يمكنهما المضي قدماً بالاعتماد على البناء خلف العداد وموارد الطاقة الوفيرة، تماشياً مع التوجه الحكومي الواضح في أوستن الداعي لتوفير مراكز البيانات لطاقتها الذاتية دون الإضرار بالمستهلكين المحليين.

 

المشهد التنافسي

 

يشهد قطاع تكساس تخطيطاً واسع النطاق لعدد من مجمعات الذكاء الاصطناعي الضخمة؛ فبينما يسير مشروع “ستارغيت” التابع لشركة “أوبن إيه آي” بوتيرة أبطأ من المخطط، تواجه مشاريع أخرى كبرى مثل “مشروع ماتادور” لشركة فيرمي، ومزرعة “جي دبليو” لباسيفيكو إينرجي، وحرم “داتا سيتي تكساس” لعقبات تمثلت في غياب العملاء حتى الآن.

 

في المقابل، تنفرد “شيفورفرون” بامتلاك صفقة ممتدة لـ 20 عاماً مع مساحات واسعة للنمو مستقبلاً، حيث لا تنافسها في النطاق المحتمل سوى شركة “إكسون موبيل” التي تركز جهودها على تطوير حلول التقاط الكربون لمجمعات البيانات بدلاً من قيادة مشاريع الطاقة المباشرة، وإن كانت “شيفورفرون” تخطط لتطوير تقنيات التقاط الكربون بالتوازي.

 

وفي مقر الشركة الرئيسي بهيوستن، يروج رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي مايك وورث لنجاح الشركة في تحويل حوض بيرميان إلى مصدر رئيسي للتدفق النقدي الحر بفضل خفض التكاليف وتعظيم العوائد، مع إبداء الاستعداد الكامل لزيادة إنتاج الغاز الطبيعي متى توفرت فرص استثمارية مماثلة لـ “مشروع كيلبي”، مؤكدين أن الحوض يمثل أحد الخيارات الرئيسية للنمو في العقد القادم.

 

وتدرس الشركة أيضاً استغلال موارد الغاز الضخمة الأخرى في منطقة جبال روكي، وحوض “إيغل فورد شيل” في جنوب تكساس، ومناطق الغرب الأوسط كالمنطقة الواقعة في أوهايو وإلينوي وإنديانا.

 

التحديات البيئية

 

وتدرك “شيفورفرون” التحديات البيئية المترتبة على طفرة الذكاء الاصطناعي والتوسع في محطات توليد الطاقة بالغاز، ورغم التأكيد المستمر على تفوق الغاز نظافةً على الفحم، إلا أن غوستافسون شدد على الالتزام بدمج تقنيات التقاط الكربون في كافة محطات الغاز، إلى جانب دمج المزيد من الطاقات المتجددة وطاقة الحرارة الأرضية النظيفة مستقبلاً، ويكمن التحدي العالمي يكمن في إيجاد التوازن الدقيق بين موثوقية الطاقة وتكلفتها المعقولة من جهة، والتوجه نحو طاقة أنظف باستمرار من جهة أخرى، معرباً عن ثقته بأن التطورات المستمرة في الذكاء الاصطناعي ستلعب دوراً إيجابياً في مكافحة التغير المناخي على المدى الطويل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى